الجمعة، 4 فبراير 2011

مفهوم المواطنة و دولة الحق والقانون

                      
   جميل ان تتبنى بعض المجتمعات العربية المعاصرة بعض الخطابات الجميلة والفاضلة، من اجل بناء مشروع مجتمعي جديد، يتجاوز البنيات المجتمعية والثقافية التقليدية، التي كرست الاستبداد والتفاوت والتمييز الطبقي، والجهل والتخلف العام... من بين هذه الخطابات او الشعارات نجد الديمقراطية، وحقوق الانسان، ودولة المؤسسات، دولة الحق والقانون، الحداثة، حقوق المواطنة... وهنا سنركز على مسالة التربية على المواطنة، وذلك نظرا الى ان مسالة المواطنة الحقة، قد تجمع في مشروع رؤيتها وقيمها واهدافها كل ما سبق ذكره من قيم انسانية ووطنية. فما هي التربية على المواطنة؟ وكيف تم او يتم تاسيسها وتكريسها على مستوى الخطاب الرسمي والمجتمعي؟ والى اي حد هناك تطابق وانسجام بين خطاب المواطنة والمؤسسات المجتمعية؟
*مفهوم المواطنة والتربية على المواطنة:
    دون الدخول في التدقيقات الخاصة بالمرجعية التاريخية والجغرافية والمعرفية لظهورالمفهوم
، فلتحديد المواطنة يمكن مقاربتها على الأقل من خلال ثلاث أبعاد أساسية:
- البعد الفلسفي والقيمي: مادامت المواطنة هي انتاج ثقافي انساني (اي ليس انتاجا طبيعيا)، فهي تنطلق من مرجعية فلسفية وقيمية تمنح دلالاتها من مفاهيم الحرية، والعدل والحق والخير، الهوية، المصير، والوجود المشترك... 
- البعد السياسي والقانوني: حيث تحدد المواطنة كمجموعة من القواعد والمعايير التنظيمية والسلوكية والعلائقية داخل المجتمع، التمتع بحقوق المواطنة الكاملة، كالحق في المشاركة والتدبير واتخاد القرارات وتحمل المسؤوليات، القيام بواجبات المواطنة، الحق في التعبير، الحق في مؤسسات وقوانين ديمقراطية، الحق في المساواة وتكافؤ الفرص...
- البعد الاجتماعي والثقافي: وهو كون المواطنة تصبح كمجدد لمنظومة التمثلات والسلوكيات والعلاقات والقيم الاجتماعية، بحيث تصبح المواطنة كمرجعية معيارية وقيمية اجتماعية، وكثافة وناظم مجتمعي.
وفي كلمة واحدة يمكن اعتبار المواطنة كمجموعة من القيم والنواظم لتدبير الفضاء العمومي المشترك. ويمكن تحديد اهم تجليات المواطنة في اربعة نواظم على الاقل:
1- الانتماء: اي الشعور بالانتماء الى مجموعة بشرية ما وفي مكان ما (الوطن)، مما يجعل المواطن يندمج ويتمثل ويتبنى خصوصيات وقيم هده المجموعة.
2- الحقوق: التمتع بحقوق المواطنة الخاصة والعامة، كالحق في الامن وفي السلامة والصحة والتعليم والعمل والخدمات الاساسية العمومية، الحق في التنقل وحرية التعبير والانتماء والمشاركة السياسية والحق في الحياة الكريمة...
3- الواجبات: كاحترام النظام العام، عدم خيانة الوطن، الحفاظ على الممتلكات العمومية، الدفاع عن الوطن، التكافل والوحدة الوطنية، المساهمة في بناء وازدهار الوطن...
4- المشاركة في الفضاء العام: المشاركة في اتخاد القرارات السياسية العامة (الانتخاب والترشح)، تدبير المؤسسات العمومية، المشاركة في كل ما يهم تدبير مصير الوطن...
وعليه، فان التربية على المواطنة، هي تلك التنشئة الاجتماعية التي تحاول تربية الفرد/المواطن على تمثل وتبني كل تلك القيم والنواظم السياسية والقانونية والمعرفية لمفهوم المواطنة، لتنعكس في مؤسساته وسلوكاته وعلاقاته المجتمعية داخل الفضاء العام المشترك ( الوطن).
   اذن، كيف تتبلور المواطنة والتربية عليها في الخطاب الرسمي (الدولة)، وكيف يتم تطبيقها مجتمعيا؟

* التربية على المواطنة بين الخطاب الرسمي والواقع المجتمعي:
   مع اختيار جل الدول العربية، منذ السنوات الاخيرة، الدخول في دينامكية الانتقال الديمقراطي، وتبني مرجعية حداثية لتدبير هذه المرحلة الانتقالية (وهو تدبير لمرحلة بالغة الحساسية والخطورة اصبح تداول استعمال مفهوم المواطنة في الخطاب الرسمي، وذلك بدعوة المواطنيين والمؤسسات والقطاعات المجتمعية بالتحلي بقيم المواطنة...وتم التركيز في هذا الخطاب بشكل كبير المجتمع المدني ومؤسسات التربية، حيث تم ادماج التربية على المواطنة في منهاج التربية والتكوين.
   ان الاقتصار على تركيز مفهوم المواطنة والتربية عليها في المؤسسة التربوية (المدرسة) - رغم ايجابيات وصحة هذا الاختيار المجتمعي الاستراتيجي- ينم عن نقص وقصور كبيرين في تكريس قيم وثقافة المواطنة مجتمعيا، حيث لايمكن تربية المدرسة على المواطنة واستثناء باقي المنظومات والمؤسسات المجتمعية الاخرى والفاعلين العموميين الاساسيين فيها، فهل يصبح لتربية الطفل/ مواطن المستقبل على قيم المواطنة في المدرسة ونترك البنيات والمؤسسات المجتمعية الاخرى خارج قيم وثقافة المواطنة ابتداء من استمرار اللامساواة واللاعدل المجتمعين داخل الاسرة نفسها او المجتمع عامة الذي ينتمي اليه هذا الطفل(ة) / الموطن(ة) (التفاوت الطبقي، عدم الاستفادة من ثروة الوطن، و من الخدمات الأساسية…)، استشراء قيم الأنانية والمصلحية الضيقة،الفساد السياسي والإداري والاجتماعي (نهب وتبديد المال العام، الرشوة، الكذب، الغش، الجريمة...)، لا تكافؤ الفرص(مدارس النخبة، احتكار الوظائف والمهن السامية، البطالة...)،الزبونية، تعدد الإيديولوجيات والتيارات السياسية واللوبيات المصلحية،لاديمقراطية المؤسسات وبعض المراجع القانونية العمومية (الدستور،القوانين الأساسية،مؤسسات تمثيلية شكلية...).
نربي الطفل على المواطنة في المدرسة، وعندما يخرج، أو يتخرج منها، سيجد واقعا مجتمعيا تحكمه معايير وضوابط وقيم أخرى لا مواطنة غالبا! 
   وعليه، فإن التربية على المواطنة يجب أن تبدأ من الأعلى، ونقصد بذلك، المؤسسات القانونية والدستورية التي تؤطر وتدبر وتحكم الوطن ككل، ويجب كذلك تربية" الكبار" والمسئولين والفاعلين العموميين على المواطنة كذلك ليكونوا القدوة والمثال للصغار والكبار على السواء. فالتربية على المواطنة ليست مجرد تربية مخصصة للأطفال و"صغار" المواطنين، إنها ثقافة وقيم معني بها الجميع، ويجب أن يستحضرها ويمارسها ويتربى عليها الجميع، ليكون الوطن للجميع في السراء والضراء، وفي الرفاهية والكرامة. 
   المواطنة هي ثقافة وقيم وسلوك يجب أن تتبلور في كل مؤسساتنا السياسية والقانونية، وفي كل منظوماتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلائقية، ليشعر الجميع بالفعل بأنه مواطن حقيقي، ليكون وطنيا حقيقيا، حيث قد تصبح المواطنة عند البعض، أحيانا مجرد انتماء لرقعة جغرافية ليس إلا، دون أن يكون وطنيا حقيقيا يحب وطنه ويكن له الولاء والإخلاص، ويؤمن بقيم التفاني و الغيرة من أجل بناء حاضره ومستقبله. فلا مواطنة بدون التمتع الحقيقي بحقوق المواطنة، واستعاضتها بالواجبات فقط، ولا مواطنة بدون روح جماعية وطنية حقيقية، والكل يجب أن يتربى على المواطنة من المهد إلى اللحد.