الثلاثاء، 29 يناير 2013

قناعة القاضي الجنائي بوسائل الإثبات الحديثة (الجزء الثاني)



المبحث الثاني: دور وسائل الإثبات الحديثة في تأسيس الاقتناع القضائي.
المطلب الأول: ماهية الاقتناع:
إن العملية القضائية التي يجريها القاضي الجنائي، إنما غايتها النهائية التوصل إلى الحقيقة الواقعية، فكل نشاط أو جهد يبذله القاضي خلال إجراء العملية القضائية يبتغي من ورائه التوصل إلى الحقيقة الواقعية، أي الوقوف على حقيقة الوقائع كما حدثت في الواقع والعالم الخارجي، لا كما يصورها الخصوم، ولا يمكن أن تظهر الحقيقة الواقعية إلا بعد البحث عنها وثبوتها بالأدلة.
فإذا وصل القاضي إلى حالة ذهنية استجمع فيها كافة عناصر وملامح الحقيقة الواقعية واستقرت هذه العناصر في وجدانه وارتاح ضميره للصورة الذهنية التي تكونت واستقرت لديه عن تلك الحقيقة، فهنا يمكن القول أن القاضي وصل إلى "حالة الاقتناع".
*أولا: تعريف الاقتناع:
الاقتناع حالة ذهنية وجدانية، وهي محصلة عملية علمية منطقية تستنيرها وقائع القضية الجنائية في نفس القاضي فتنشط ذاكرته لتستدعي القواعد القانونية ذات الوقائع النموذجية المرشحة للتطابق مع وقائع القضية، وتتوقف طبيعة هذه الحالة على نتيجة عملية المطابقة بين الواقعتين، وقد يكون ارتياح ضمير القاضي وادعائه أو تسليمه بدون أدنى شك، بثبوت الوقائع في جانب المتهم وثبوت مسؤوليته عنها، وقد يكون الشك في ذلك، وأخيرا قد يكون ارتياح ضميره وادعائه أو تسليمه بعدم حدوثها أو عدم مسؤولية المتهم عنها مطلقا.
*ثانيا: سمات الاقتناع:
ويمكن حصر هذه السمات في عنصرين أساسين هما:
أ – قانونية الاقتناع:
إن الذي يكسب الاقتناع سمته القانونية هو كونه وليد إجراءات جنائية قانونية، وتكون الإجراءات الجنائية كذلك عندما يتسم مسلك القاضي الجنائي خلال إجراء العملية القضائية بالالتزام بأحكام القانون أي لا يخرج على الخط الذي رسمه القانون، وفي حالة ما إذا أخل بهذه المسطرة ينعكس ذلك بصدق على الاقتناع الذي حصله لأنه ثمرة أو محصلة الخطوات التي خطاها.
هو نتيجة العمليات التي أجراها بطريقة اتسمت بالخطأ أو الفساد. ومؤدى ذلك أن هذه العملية أو السمة تتصل اتصالا وثيقا بالمنهج القضائي في الاقتناع أو بكيفية تحصيله وتحديد ملامحه. وعلى ذلك فإن قانونية الاقتناع كسمة له إنما تأثر بالإجراءات الجنائية والإجراءات التي تذرع بها القاضي والتي أمكن من خلالها استخلاص قناعته.
ب – واقعية الاقتناع:
كانت السمة الأولى هي قانونية الاقتناع، أما السمة الثانية فهي واقعية الاقتناع، ونقصد بواقعية الاقتناع كون الاقتناع الذي حصله القاضي يتفق مع الحقيقة الواقعية التي يهدف القاضي أن يتوصل إليها. وهذه السمة هي نتيجة طبيعية ومنطقية لوجود السمة الأولى، ومعنى ذلك أنه طالما أن القاضي قد حصل واستخلص اقتناعه بطريقة وبإجراءات قانونية ومشروعة، فلابد أن يكون اقتناعه مطابقا للحقيقة الواقعية سواء كان اقتناعه بالإدانة أو البراءة.
وتتصل هذه السمة بمضمون الاقتناع أو جوهره، ويشكل مضمون الاقتناع من الوقائع المادية التي تثبت لدى القاضي وتثبت مسؤولية الجاني عنها، ومن الوقائع القانونية التي طبقها على هذه الوقائع وأيضا الجزاء الذي استقر على النطق به وتطبيقه على الجاني في حالة اقتناعه بالإدانة أو البراءة، ومعنى ذلك أن واقعية الاقتناع تتألف من عنصرين، أحدهما يتصل بمصل الاقتناع وهو عبارة عن الوقائع والقواعد القانونية واجبة التطبيق على هذه الوقائع وعملية المطابقة التي يتوصل من خلالها الاستقرار على الإدانة أو البراءة. والثاني هو نتيجة الاقتناع، وهي إما الإدانة أو البراءة حسب ما يتوصل إليه القاضي من خلال ما ثبت لديه من واقع عملية المطابقة التي أجراها والتي تعد أحد مكونات العنصر الأول من عنصري واقعية الاقتناع.

المطلب الثاني: حرية الاقتناع ومدى تأثرها بوسائل الإثبات الحديثة.
*أولا: حرية القاضي الجنائي في الاقتناع:
إذا كانت العبرة في الإثبات في المواد الجنائية هي باقتناع القاضي واطمئنانه إلى الأدلة المطروحة، فما المقصود بحرية الاقتناع؟
أ – مضمون هذا المبدأ:
الاقتناع في دلالته القانونية يعني حالة إدراك يسلم معها العقل تسليما جازما بثبوت أو نفي واقعة أو عدة وقائع، استنادا لقواعد المنطق القائمة على الاستقراء والاستنتاج والمستمدة من أدلة وبراهين قضائية حاسمة.
وحرية الاقتناع هي حرية خاصة بالقاضي، من خلالها يعمل سلطته التقديرية ويبسطها على الأدلة الجنائية.
فبالرغم من أن النيابة العامة عليها أن تقيم الدليل على الإدانة والمتهم عليه أن ينفي هذا الدليل، إلا أن التزام القاضي الجنائي بإدراك الحقيقة الواقعية أو المادية استجابة لمقتضيات التجريم، جعلت له دورا إيجابيا يدرك بمقتضاه الحقيقة ويختلف عن دور القاضي المدني الذي يقتصر على الموازنة بين الأدلة التي يقدمها الأطراف دون البحث عن حجج أخرى من تلقاء نفسه حيث أن القاضي حر في تكوين قناعته.
والإثبات القائم على حرية الاقتناع، جاء نتيجة الانتقادات التي وضعت من طرف تيار فكري في فرنسا، حيث انصبت على عقم محاولة تقييد القاضي في مجال الإثبات الجنائي لينتشر في باقي دول أوروبا لتأخذ به غالبية التشريعات.
ومن خلال هذا المبدأ، يمكن للقاضي إعلان الحقيقة كما اقتنع بها هو وجدانيا لا أن يحكم رغم أنه غير مقتنع في قرارة نفسه بالحقيقة التي يعلنها في الحكم بناء على الدليل المفروض عليه نوعا وقيمة، فتكون له صلاحية الأخذ بأي دليل، ويكون له دورا إيجابيا يسمح باتخاذ المبادرة واللجوء إلى البحث التكميلي، غير أن مبدأ حرية الاقتناع ليس مطلقا من كل قيد، بل ترد عليه بعين القيود.
ب – القيود الواردة على هذا المبدأ:
نظرا لما قد ينطوي عليه نظام الإثبات الوجداني من مخاطر باعتبار أن القاضي غير معصوم من زلة الخطأ، فإن المشرع حدد ضوابط على القاضي وهو في سبيل تكوين اقتناعه عملا بالنظام الوجداني عليه مراعاتها وأهمها:
3أنه لابد من طرح الدليل في الجلسة لمناقشته شفهيا، وبحضور الأطراف فلا يجوز للقاضي أن يبني قناعته إلا على أدلة طرحت أمامه في الجلسة، كما لا يحق له الفصل في الدعوى اعتمادا على دليل وصل إلى علمه الشخصي دون أن يطرحه للمناقشة في جلسة الأحكام المادة 287 من ق.م.ج.
3وجوب بناء الأحكام بالإدانة على الجزم واليقين تطبيقا لقاعدة الشك يفسر لصالح المتهم، والمقصود بالجزم واليقين بلوغ درجة لا يتطرق إليها الشك، ذلك أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين، وأن يؤسس على الأدلة التي توردها المحكمة والتي يجب أن تبين موادها في الحكم بيانا كافيا توفيرا للعدل وقيم العدالة.
3كما لابد أن يكون اقتناع القاضي قد بني على وسيلة للإثبات صحيحة مشروعة، فلا يمكن قبول دليل جاء بالمخالفة للقانون، كالسرقة أو النصب، حيث لا يمكن بناء الحكم على هذه الوسيلة. كما أن الأدلة المعتمدة في تأسيس الحكم قانونا واقعيا يجب أن تؤدي النتيجة التي أعلنها الحكم، وإلا تعرض هذا الأخير للنقض لانعدام التعليل أو عدم كفايته (م 534 من ق.م.ج).
*ثانيا: مدى تأثير وسائل الإثبات الحديثة على تكوين الاقتناع القضائي:
إذا كان العلم قد استحدث الكثير من أساليب الإثبات، وأمد سلطات التحقيق بوسائل حديثة ومتطورة، فإن اقتناع القاضي في الأمور الجنائية يأتي على قمة هذه الوسائل، لا كوسيلة من وسائل الإثبات، ولكن كمبدأ يحمي العدالة من الشطط والهوى ويصون القاضي من بعض الآثار التي تترتب على سوء استخدام الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات والتي قد تصل إلى حد الاعتداء على الحريات، ولما كانت هذه الوسائل ذات أثر بالغ في مجال الإثبات وبالتالي على خصائص نظرية الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي، فإننا سنحاول عرض مجالات هذا التأثير وذلك من خلال النقاط التالية:
أ – إذا كانت الأدلة نفسها لا يمكن حصرها من حيث التعداد أو توقف نشأتها الاستمرارية في التطور، وإذا كانت من حيث الدقة تقوم على حقائق وقوانين وأسس علمية، ذات نتائج محددة حقيقة وواضحة قد تصل إلى نسبة %99.99 من الصحة، فإنه يصبح لها أثر قوي على اقتناع القاضي يتجاوز في تأثيره كل أنواع وسائل الإثبات الأخرى.
من هنا يظهر تأثيرها على اقتناع القاضي في أنها تجعله أكثر جزما ويقينا، كما تساعد على التقليل من الأخطاء القضائية والاقتراب من العدالة بخطوات أوسع والتوصل إلى درجة أكبر نحو الحقيقة.
ب – يمتاز الإثبات العلمي بارتكازه على البحوث والدراسات والتقنية العلمية وفق ضوابط معينة تؤدي في النهاية للحقائق المطلوبة، وهذه في النهاية تحتاج إلى أصحاب الاختصاص والخبرة حتى يتم إبداء الرأي بشأن واقعة ذات أمية في الدعوى الجنائية، وتصبح الحاجة إلى الخبير ملحة إذا ما أثيرت مسألة بعجز القاضي فيها عن إبداء الرأي لأنها تحتاج متخصصا فنيا في نفس المجال.
ولهذا تأتي النتائج بصورة موضوعية حيث أن استخدام العلم في الكشف عن الجريمة، يجعل للدلالة طبيعة موضوعية بحيث يتم تحقيقها بصورة موضوعية، وفق ضوابط ومعايير علمية مقررة تطبق في جميع الحالات المتشابهة.
وتؤدي إلى نفس النتائج في الجرائم المتشابهة، وبذات الظروف وذات الوسائل، لذلك يرى البعض أن الأخذ بالإثبات العلمي معناه العودة إلى نظام الأدلة العقيدة ونظام الاقتناع العقيد، وذلك رغم أن نظام الأدلة القانونية يلزم فيه توافر الأدلة التي حدد القانون نوعها وقيمتها سلفا، في حين أن وسائل الإثبات الحديثة تسعى إلى الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة.
ج – إن المبدأ السائد في التشريعات الحالية، هو حرية القاضي في الاستناد إلى أي دليل من الأدلة التي يقتنع بحقيقتها ولا تتريب عليه في استخدام الوسائل العلمية لمعرفة هذه الحقيقة ولتسهيل تكوين اقتناعه وبناء على الجزم واليقين، فالقاضي متخصص في القانون ولا يستطيع أن يلم بهذا الكم الهائل من العلوم والمعارف الأخرى ولابد له من أن يستعين بأهل الخبرة وخاصة ظهور أنواع جديدة من الجرائم لم تكن معروفة من قبل، بالتالي وجب حماية المجتمع والأفراد من ارتكابها ومنع المجرم من العودة لها.


لائحة المراجع

* القضاء الجنائي ووسائل الإثبات: بحث تحت إشراف د. محمد أحداف  2005.
* الإثبات في المواد الجنائية: أبو عمر محمد زكي.
* تأسيس الاقتناع القضائي والمحاكمة الجنائية العادلة: الجوهري كمال عبد الواحد.
* المختصر في التحقيق الإعدادي ووسائل الإثبات: محمد العروصي.
* الدليل المادي وأهميته في الإثبات الجنائي: أحمد أبو القاسم أحمد.
* وسائل الإثبات في الميدان الزجري: بحث تحت إشراف ذ.علي رحيمي 2006. 

الاثنين، 28 يناير 2013

قناعة القاضي الجنائي بوسائل الإثبات الحديثة (الجزء الأول)


إن فكرة الإثبات قديمة قدم المعاملات الإنسانية، اهتدى إليها الإنسان منذ القدم، نظرا لما يترتب عن هذه المعاملات من نزاعات وخلافات، الشيء الذي حكم إيجاد طرق تعمل على إيقاف هذه المنازعات والوصول إلى الحقيقة، وذلك من خلال صياغة وسائل وقواعد الإثبات، التي تهدف إلى كشف الحقيقة وإرجاع الأمور إلى نصابها. فللإثبات في المادة الجنائية أهمية بالغة، ذلك أنه ومن خلال الأدلة التي تتوفر في الدعوى تتحصل القناعة لدى المحكمة، فتصدر حكما بناء على ما اقتنعت به في موضوع الدعوى انطلاقا من مبدأ حرية القاضي في الإثبات والاقتناع. في إطار الشرعية القانونية، وحيث أن التطور العلمي هو حتمية طبيعية، ذلك أن هذا النوع من العلم وهو العلم الحسي فضلا عن كونه متغيرا بطبيعته بل هو أسرع أحداث المنجزات البشرية تغيرا، فهو أيضا من حيث مصدره كثمرة لنشاط الفكر الإنساني، يتأتى من خلال الاتساع التدريجي لنطاق المعارف النظرية، ثم انتقال حصيلة هذه المستجدات المعرفية إلى التطبيق الفعلي في الحياة المعرفية فتتأثر بذلك مختلف جوانبها، وينعكس ذلك الأثر ضمن ما ينعكس أداء الفكر الإنساني فيؤدي إلى تحسين القدرة على اكتساب المعارف وتوسيع نطاقها. ولما كان من الصعب فصل المجرم عن هذا التطور، كان على المشرع ضرورة ابتكار وسائل إثبات حديثة لمسايرة هذا الركب، الأمر الذي تأتى عن طريق ابتكار وسائل إثبات حديثة وفق ضوابط علمية للاستدلال على المتهم وكشف أغوار الجريمة وإدانة المجرمين في إطار الشرعية القانونية.
وتأسيسا على ما تقدم، سنحاول التطرق لمختلف النقاط المذكورة من خلال التصميم التالي:

المبحث الأول:
المطلب الأول: ماهية الإثبات الجنائي والمبدأ الذي يحكمه.
أولا: ماهية الإثبات.
        1- مفهوم الإثبات الجنائي:
لقد خص المشرع المغربي الفرع الأول من الجزء الثالث في بابه الأول من قانون المسطرة الجنائية للإثبات، حيث أشار إلى الإمكانية المتاحة للمحكمة في الاستناد إلى أي وسيلة للإثبات ما لم يقض القانون بخلاف ذلك، هذا الإثبات الذي تضمنته عشرة فصول، لكنه يقدم تعريفا صحيحا وواضحا يذكر لهذه الوسيلة. وذلك لأن المتهم في الحقل الجنائي يقوم بأفعال مخالفة للقانون، لذلك يعمل على إخفائها عن الأعين، الشيء الذي جعل المشرع يتوسع في إثبات الأفعال المخالفة للقانون وأجاز إثباتها بجميع وسائل الإثبات.
        2- طرق الإثبات:
أ‌-       الطريقة القانونية:
وهي الطريقة التي رسمها القانون وحددها والتزم القاضي باتباعها، ويعرض حكمه للنقض كلما خالفها، ويمكن أن نسمي هذه الطريقة بالطريقة الموضوعية، وهي بالحقل المدني أليق منها بالحقل الجنائي، وقد ظهرت هذه الطريقة لتحد من غلو النظرية الثانية التي تعتمد بالدرجة الأولى على قناعة القاضي الوجدانية، وقد أخذت الشريعة الإسلامية بهذه الطريقة في إثبات جرائم الحدود فألزمت القاضي بأن يدين المتهم كلما أثبت خصمه بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو أربعة شهود في جرائم القذف، وهذه الطريقة تجعل القاضي يصدر أحكاما ولو كان غير مقتنع بها.
         ب- الطريقة الوجدانية:
وهي التي تعتمد بالدرجة الأولى على قناعة القاضي في كون المتهم ارتكب الفعل المنسوب إليه أم لا، ويستطيع أن يبعد شهادة الشهود، وحتى اعتراف المتهم متى تبين له من خلال الوقائع والأحداث عدم صحتها، وهذه الطريقة هي أولى الطريقتين، ظهرت في العالم القانوني ثم اختفت بعض الشيء أمام ظهور الطريقة القانونية. وفي مطلع العصر الحديث، بدأت في الظهور، وقد أخذت بها معظم الشرائع الحديثة ومن جملتها التشريع المغربي الذي نص في الفصل 288 من قانون المسطرة الجنائية، على أنه "يمكن إثبات الجرائم بأي وسيلة من وسائل الإثبات ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اعتقاده الصميم".
فإذا رأى أن الإثبات غير قائم، قرر عدم إدانة الشخص المتهم وحكم ببراءته، إلا أنه لا ينبغي أن يفهم من هذا النص أو من طريقة الإثبات الوجداني، أن القاضي الجنائي في تكوين قناعته كيفما شاء بطريقة اعتباطية وإلا لأصبح يدين من يشاء، وإنما يجب عليه أن يكون قناعته في الأدلة والحجج والمناقشات التي راجت أمامه، ويعلل تكوين هذه القناعة، الطريقة التي سلكها في تكوينها.
وقد نص الفصل 289 من قانون المسطرة الجنائية، على أنه "لا يمكن للقاضي أن يبين مقرره إلا على حجج عرضت إثناء الإجراءات، ونوقشت شفهيا وحضوريا أمامه" والفصل 290 من نفس القانون ينص على أنه إذا كان إثبات الجريمة متوقفا على حجة جارية عليها أحكام القانون المدني، فيراعي القاضي في ذلك قواعد القانون المذكور.
ثانيا: مبدأ حرية الإثبات:
إذا كانت حرية الإثبات إحدى خصائص نظرية الإثبات في المسائل الجنائية، فما المقصود بحرية الإثبات، وما القيود الواردة عليه.
1- مضمون حرية الإثبات:
على خلاف نظام الإثبات في المادة المدنية والذي يعتبر مقيدا، نجد أن نظام الإثبات الجنائي يتمتع بخاصية مميزة وهي حرية الإثبات، والتي تعني أن الجرائم يجوز إثباتها بكافة الطرق القانونية. فالفصل الجنائي يجوز إثباته بشهادة الشهود والاعتراف والمعاينة... إلخ.
ما لم يقيده القانون بدليل معين ينص عليه، وهو مبدأ يستفيد منه كافة أطراف الدعوى الجنائية: المتهم، النيابة العامة، القاضي.
ونظرا لعبء الإثبات الذي تتحمله سلطة الاتهام في مواجهة مبدأ البراءة المقرر لفائدة المهتم، فإن مبدأ حرية الإثبات جاء ليخفف من ذلك المبدأ.
وإذا كان صحيحا أن الإثبات في الميدان الجنائي لم يعد يعرف فكرة الدليل القانوني، بحيث صارت كل الطرق في الإثبات جائزة أمام القاضي الجنائي عملا بمبدأ حرية الإثبات، فإن هذا المبدأ يرجع تبريره إلى أسباب:
*أولها: أن الإثبات في الميدان الجنائي يتعلق بوقائع مادية ومعنوية، وليس متعلق بإثبات تصرفات قانونية كما هو عليه الأمر في المواد المدنية، لذلك كان لأطراف الدعوى الجنائية إثبات الوقائع بكافة الوسائل أو نفيها بكافة الوسائل.
*ثانيا: إن النيابة العامة والقاضي الجنائي، لهما حق اللجوء إلى كافة وسائل الإثبات أمام حرص المجرمين على إخفاء جرائمهم وإحاطتها بالسرية حتى لا تنكشف بحيث يعملون على إخفاء معالمها.
*ثالثا: نجد أن المشرع أراد تحقيق التوازن بين مصلحة المواطن وحماية الحرية وبين مصلحة المجتمع في اكتشاف الحقيقة ومحاربة الجريمة فنص على مبدأ حرية القاضي في قبول الدليل مقابل افتراض البراءة في المتهم وتحميل النيابة العامة عبء الإثبات فاعتنقت بذلك هذا المبدأ.
وإذا كان الإثبات في الميدان الجنائي على خلاف الميدان المدني حرا، بمعنى أن كل الوسائل التي يعرفها القانون، يمكن الاستدلال بها أمام القضاء الجنائي، والذي لا يجوز له أن يرفض ما لم يقضي القانون بذلك لأحد الأطراف تقديم أي دليل يراه منتجا في إقناع المحكمة بوجهة نظره، فإن هذا المبدأ يعرف بعض الاستثناءات.
2- الاستثناءات الواردة على مبدأ حرية الإثبات:
إذا كان مبدأ حرية الإثبات في الميدان الجنائي يستند على كون محل الإثبات ينصب على وقائع مادية غير القانونية التي تستلزم نوعا معينا من الأدلة، فإن هذه الحرية تتعطل في الحالات التي ينص فيها المشرع على ذلك، ومن أمثلة هذه الاستثناءات أن المشرع رفض الاستماع لشهادة المدافع عن المتهم حول ما عمله بهذه الصفة. فالمادة 334 من قانون المسطرة الجنائية ينص على أنه لا يمكن سماع شهادة محامي المتهم حول ما عمله بهذه الصفة....
كما منع أيضا الرجوع إلى وثائق التحقيق التي أبطلت قصد توجيه اتهامات إلى المترافعين، وإلا خضع القضاة والمحامون الذين يرجعون إليها لعقوبات تأديبية (المادة 213 منى ق.م.ج)، كما قيد المشرع القاضي بأدلة معينة في إدانة المتهم بجريمة الفساد أو الخيانة الزوجية، فالإدانة يجب أن تقوم بناء على الشهود مثلا أو اعتراف غير قضائي أو قرائن أو خبرة وإن اقتنع شخصيا بثبوت الجريمة.
كما نص على استبعاد بعض وسائل الإثبات، كاستبعاد الحجة الكتابية الناشئة بين المتهم والمحامي الذي يؤازره لما في ذلك من إخلال بحقوق الدفاع (المادة 294 ق.م.ج).

تمهيد: 
لقد تطورت وتعددت الأساليب والوسائل العلمية التي بات يلجأ إليها في مجال البحث في الدليل الجنائي، وذلك نتيجة لتطور فكر المجرم والذي بات يعمل، وقبل إقدامه على نشاطه الإجرامي، على التفكير في أسلوب لا يترك آثارا مادية تدل عليه.
لذلك حاولت أجهزة البحث والتحقيق، الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة في الإثبات الجنائي، علها تفك الخيوط المتشابكة للواقعة الإجرامية.
وتتمثل هذه الوسائل الحديثة في تحليل ADN والتشريح الطبي، والبصمات، والأعيرة النارية، التقاط المكالمات، التصوير، جهاز كشف الكذب، غسيل المعدة، العقاقير المخدرة، ولتقريب الطالب من كيفية عمل هذه الوسائل، سنتطرق للحديث عن بعضها من خلال هذا.
المطلب الثاني: أنواع وسائل الإثبات الحديثة.
*أولا: تحليل ADN (الحمض النووي):
مادة ADN هي واحدة في كل خلية وسائل ونسيج في جسم الفرد، ولا يمكن تغييره بواسطة أي علاج معروف، وعليه، فإن هذه المادة أصبحت رائدة في الاستعراف والتمييز بين أبناء الجسم البشري.
وقد أحدثت هذه المادة ثورة في العلوم الجنائية، حيث لم يعد من الصعب إثبات أبوة فلان لطفل بما لا يقبل الجدل أو الشك.
كما يمكن تحديد هوية الجاني من خلال عقب سيجارة (تحليل آثار اللعاب عليه) أو حتى من خلال شعرة واحدة يعثر عليها في مسرح الجريمة.
وعلى مستوى التحقيقات الجنائية، فقد تمكنت دوائر المكتب الفدرالي للتحقيقات ومختبرات الشرطة الأمريكية من كشف العديد من الجرائم بواسطة هذه البصمة ADN.
من خلال قطع الملابس المبللة بالدم أو الملطخة بالسائل المنوي أو من خلال شعر الضحية والجاني.
ولم تعرف البصمة الوراثية حتى عام 1984 حينما نشر "د.أليك جيفريز"، عالم الوراثة بجامعة لندن بحثا أوضح فيه أن هذه المادة الوراثية قد تتكرر عدة مرات وتعيد نفسها في تشابهات عشوائية غير مفهومة، وواصل أبحاثه وتوصل بعد عام واحد إلى أن هذه التشابهات مميزة لكل فرد، ولا يمكن أن تتشابه بين الأفراد إلا في حالة التوائم المماثلة فقط، بل إن احتمال تشابه بصمتين وراثيتين بين شخص وآخر هو واحد في الترليون، مما يجعل التشابه مستحيلا وسجل "د.أليك" براعة اكتشافه عما 1985 وأطلق على هذه التشابهات اسم البصمة الوراثية للإنسان the ADN. وقد أحدثت أبحاثه قفزة هائلة في مجال الطب الشرعي، حيث ثم التعرف على الجثث المشوهة وتتبع الأطفال المفقودين وأخرجت المحاكم البريطانية ملفات الجرائم التي قيدت ضد مجهول، وفتحت التحقيقات فيها من جديد، وبرأت البصمة الوراثية مئات الأشخاص من جرائم القتل والاغتصاب، وأدانت آخرين مما يعني أنها وسيلة إثبات فريدة من نوعها.
وتبقى أشهر الجرائم التي ارتبط اسمها بالبصمة الوراثية، هي قضية "د.سام شيرد" الذي أدين بقتل زوجته ضربا حتى الموت في عام 1955، حيث كانت هذه القضية آنذاك محل اهتمام الرأي العام، والإعلام المسموع، ووكالات الأنباء، ووسط هذا الضغط الإعلامي، أغلق ملف كان يذكر احتمالية وجود شخص ثالث وجدت آثار دمائه على سرير المجني عليها أثناء مقاومته، وقضى "د.سام شيرد" في السجن عشر سنوات ثم أعيدت محاكمته عام 1965.
وحصل على براءته التي لم يقتنع بها الكثيرون حتى جاء غشت 1993 حينما طالب الابن الأوحد للدكتور "سام شيرد" فتح القضية من جديد وتطبيق اختبار البصمة الوراثية، حيث أمرت المحكمة في مارس 1998 بأخذ عينة من جثة "شيرد" وأثبت الطب الشرعي أن الدماء التي وجدت على سرير المجني عليها ليست دماء "سام شيرد" بل صديق العائلة، وأدانته البصمة الوراثية، وأسدل الستار على واحدة من أطول محاكمة في التاريخ في يناير 2000، بعدما حددت البصمة الوراثية كلمتها.
ومن ثم يظهر جليا أهمية تحليل ADN كوسيلة متطورة وفعالة في الإثبات الجنائي، كما تظهر الأهمية القصوى للآثار المادية التي يكتشفها المحققون في مسرح الجريمة.
*ثانيا: البصمات:
تندرج البصمات ضمن الخطوط التي تكسو أطراف الأصابع وراحة اليد، وهي تختلف اختلافا لا حد له حسب اختلاف الأشخاص.
وهذه البصمات إذا ما لامست جسما من الأجسام، إلا وتركت عليها آثارها، وهذا راجع أساسا إلى تكوين بشرة الجلد المغطاة بطبقة دهنية خفيفة من إفرازات العرق.
ولمعرفة البصمات في مكان الجريمة، فالأمر يوجب معرفة مكان وكيفية دخول الجاني وخرجه، وكذلك فحص جميع الأشياء التي من المحتمل أن يكون الجاني قد لامسها أو نقلها من مكانها الأصلي.
والبصمات قد تكون ظاهرية، حيث يمكن أ، يراها الخبير بالعين المجردة عند معاينة مكان الحادث، أو خفية، والتي لا يمكن إظهارها إلا باستعمال مواد كيماوية على شكل مسحوق أو سائل.
وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى للبصمة وأهميتها من خلال قوله تعالى :((أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه))، والبنان هو نهاية الأصبع، وتنقسم البصمات إلى عدة أنواع:
أ – بصمة الرائحة:
لكل إنسان بصمة الرائحة المميزة له عن سائر البشر، حيث يقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: ((ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)).
من هنا تم استغلال هذه البصمة المميزة في تتبع آثار أي شخص معين. وأبرز مثال على ذلك، الكلاب التي تستطيع بعد شم ملايين من البشر أن تخرج الشخص المعين من بين آلاف البشر.
ب – بصمة الشفاه :
وهي تلك العضلات القرمزية التي كثيرا ما تغنى بها الشعراء، وقد ثبت أن لبصمة الشفاه صفة مميزة لدرجة أنه لا يختلف اثنان فيها. ويتم أخذ بصمة الشفاه بواسطة جهاز به حبر غير مرئي، حيث يتم الضغط على شفاه الشخص بعد أن يوضع عليها ورق من نوع النحاس فتطبع عليه البصمة.
وتعتبر هذه البصمة من وسائل الإثبات ذات الفعالية الكبرى، وأكبر دليل على ذلك هو تمكن الخبراء من التعرف على الأشخاص بواسطة عقب سجارة.
ج – بصمة العين:
لقد عملت إحدى الشركات الأمريكية لصناعة الأجهزة الطبية على ابتكار بصمة العين، حيث أكدت الشركة أنه  لا توجد عينان متشابهتان في كل شيء، ويتم أخذ هذه البصمة عن طريق النظر في عدسة الجهاز الذي يقوم بدوره بالتقاط صورة لشبكة العين، وعند الاشتباه في أي شخص، يتم الضغط على زر معين بالجهاز، فتتم مقارنة صورته بالصورة المختزلة في الجهاز.
د – بصمة الأذن:
حيث تعد إحدى أهم البصمات التي يتم الاعتماد عليها في الإثبات، لكن بطريقة معقدة تستوجب تكنولوجيا عالية، وتتميز هذه البصمة بكونها الوحيدة التي لا تتغير منذ ولادة الإنسان وحتى مماته.
وعموما فإن المحاكم الجنائية تعمل على الأخذ بالبصمات كدليل إثبات قاطع بعد أن يثبت لها علميا أن الشك لا يتطرق إليها.
لكن تبقى بعض الحالات يمكن للجاني الفرار من المسؤولية الجنائية، وذلك بالتخلص من آثار البصمات بالحرق، هذا فضلا عن إمكانية إزالتها عن طريق الجراحة.
ولتفادي الأمر، طور باحثون هنديون أسلوبا جديدا للكشف عن بصمة الأصابع باستخدام صيغ كيميائية على شكل بخار تعتمد على صبغات ملونة وغير سامة، وأوضحوا أن مبدأ التقنية الجديدة يتمثل في أن العرق الذي يفرزه الإنسان يحتوي على مكونات غير عضوية وأيونات الكالسيوم، حيث تستخدم الصبغات الفلويتينية فتلمع بصمات الأصابع في الظلام، مما يساعد في الكشف عنها بسهولة، لكن مع اكتشاف البصمة الوراثية ADN، تبددت مخاوف تخلص المجرمين من البصمات، وأصبح التعرف على هوية مرتكبي الجرائم أمرا سهلا.
*ثالثا: علم الأسلحة النارية:
تنقسم الأسلحة النارية إلى قسمين: وهي إما أسلحة ذات المأسورة الطويلة كالبنادق، أو أسلحة ذات المأسورة القصيرة.
- فالأولى عبارة عن أسلحة أوتوماتيكية تعمر بخرطوش من ظرف نحاس ورصاصة مغلقة بغلاف نحاس طرفها الأمامي مدبدب، لها خزانة تتسع إلى عدة رصاصات حسب نوع وطراز البندقية، وهناك نوع آخر يعمر بكمية من البارود.
- أما الثانية، فهي عبارة عن أسلحة تطلق رصاصة واحدة في دفعة المسدس أو الطبنجات الأوتوماتيكية التي تعمل بخرطوش نحاس به رصاصة مغلقة بنيكل أو نحاس ومزودة بجزيئية على شكل مشط.
*تقدير مسافة الإطلاق:
لتقدير مسافة الإطلاق، أو التي أطلق منها العيار الناري، يتم فحص فتحة الدخول سواء بالملابس أو بالجسم، حيث يختلف شكلها باختلاف المسافة التي أطلق منها العيار، ويتم فحص الآلة ونوع البارود المستعمل كذلك، مما يمكن من تقدير تاريخ حدوث الإصابات النارية، وذلك عن طريق مشاهدة الجروح من حيث التهابها وتقيحها والنظر إلى طبيعة الأجزاء أو الأحشاء التي أصيبت، ومعانة النزيف، وبعد ذلك يتم تقدير المدة التي مضت من وقت حصول الإصابة إلى حدوث الوفاة.
وللتأكد أكثر يتم تصوير محل الإصابة بواسطة الأشعة تحت الحمراء، فتظهر كمية البارود والدخان. فتحديد المسافة إذن له أهمية بالغة في الحوادث، خاصة تلك التي يشك فيها أنها انتحار. فوجود البارود والدخان على يد القتيل بجانب شكل الجرح واتجاه الفلقة يشكل دليلا قاطعا على أن الضحية قد انتحرت.
وأخيرا، لمعرفة الوقت الذي مضى على استخدام السلاح، يتم شم رائحة البارود من فوهة مأسورة السلاح، فإذا كانت الرائحة قوية، أمكن القول بأن السلاح لم يمض على استخدامه إلا وقت قصير. أما إذا لم يجد أثر لرائحة البارود يتم إجراء اختبار كيميائي على محتوى الطلق الناري، وذلك عن طريق تحليل دخان البارود الذي بقي في مأسورة البندقية عند خروج الطلق أو داخل الظرف الفارغ.
*رابعا: تشريح الجثث:
يعد التشريح من أهم أعمال الطب الشرعي التي يتوقف عليها في كثير من حالات إثبات الجريمة، فالخبير يساعد القاضي في معرفة سبب الوفاة، والوسيلة التي استخدمت في إحداث الجريمة، والزمن الذي انقضى على وقوع الحادث، وكذلك طبيعة الجروح والإصابات التي توجد بالجثة.
وتشريح الجثة يقوم على مبادئ وإجراءات ضرورية.
ذلك لا تشرح الجثة إلا لأغراض الطب الشرعي، وبناء على انتداب شفوي أو كتابي، وبمجرد وصول هذا الانتداب يسرع الطبيب الشرعي إلى مكان الجثة وذلك مخافة ضياع المعالم التي قد تفيده في معرفة سبب الوفاة، ويتم تشريح الجثث أثناء النهار فقط مع اختيار الطبيب مكانا مناسبا للتشريح يتخلله الهواء وضوء الشمس.
وتجدر الإشارة إلى ضرورة حضور الضبط المحقق لعملية التشريح لاسيما في حوادث القتل، كما ينبغي عمل تشريح كامل ومستوفي، فالأمر يقتضي فتح ثلاثة تجاويف كبرى على الأقل، ولو كان سبب الوفاة جليا.


لائحة المراجع  
* القضاء الجنائي ووسائل الإثبات: بحث تحت إشراف د. محمد أحداف  2005.
* الإثبات في المواد الجنائية: أبو عمر محمد زكي.
* تأسيس الاقتناع القضائي والمحاكمة الجنائية العادلة: الجوهري كمال عبد الواحد.
* المختصر في التحقيق الإعدادي ووسائل الإثبات: محمد العروصي.
* الدليل المادي وأهميته في الإثبات الجنائي: أحمد أبو القاسم أحمد.
* وسائل الإثبات في الميدان الزجري: بحث تحت إشراف ذ.علي رحيمي 2006. 

السبت، 12 يناير 2013

أحكام الكفالة في القانون المغربي (الجزء الثالث)


المبحث الثاني: العلاقة بين الكفيل والمدين
من حق الكفيل مقاضاة المدين الأصلي من أجل التزامه بالعمل على إبراء ذمته من التزامه إزاء الدائن وذلك في ثلاث حالات م 1141 ق.ل.ع.

  •   إذا وقعت عليه الدعوى قضاء من أجل الوفاء بالدين أو حتى قبل أن توجه إليه أية مطالبة إذا كان المدين في حالة مطل في تنفيذ الالتزام.

  •    إذا كان قد التزم بأن يتقدم للكفيل إبراء ذمته من الدائن خلال أجل محدد ثم حل هذا الأجل وإذا لم يتمكن المدين من تقديم إبراء الذمة من طرف الدائن وجب عليه أن يدفع الدين أو أن يعطي للكفيل رهنا أو ضمانة أخرى كافية.  
  •    إذا صعبت مطالبة المدين إلى حد كبير نتيجة تحويل محل إقامة أو موطن.

بناء على المادة 1143 ق.ل.ع يجوز للكفيل الذي يقض الالتزام قضاء صحيحا الرجوع عن المدين بكل ما دفعه عنه أو لو كانت الكفالة قد أعطيت بغير علمه كما يجوز له الرجوع أيضا على المدين من أجل كل المصروفات والخسائر التي كانت نتيجة طبيعية وضرورية للكفالة حسب هذه المادة كل فعل غير الوفاء بالمعنى الصحيح يترتب عليه انقضاء الالتزام الأصلي أو إبراء ذمة المدين لا يقع بمثابة الوفاء ويعطي للكفيل حق الرجوع بأصل الدين وسائر المصروفات المتعلقة به.
لا يجوز للكفيل الذي أدى الدين حق الرجوع على المدين الأصلي إلا إذا قدم توصيلا من الدائن أو أية حجة أخرى تفيد وتثبت انقضاء الدين (الفقرة الأولى من الفصل 1144 ق.ل.ع)
إذا قام الكفيل بوفاء الدين وفاء صحيح فإنه يحل محل الدائن في حقوقه وامتيازاته ضد المدين في حدود كل ما دفعه وضد الكفلاء الآخرين في حدود حصتهم غير أن هذا الحل لا يغير في شيء الاتفاقات الخاصة المعقودة بين المدين الأصلي وبين الكفيل (ف 1147 ق.ل.ع).
لا يجوز لكفيل الرجوع على المدين في عدة حالات أشارت إليها م 1148 ق.ل.ع وهي كالتالي:

  • إذا كان الدين الذي أداه يتعلق به شخصيا وإنما جعل باسم غيره في الظاهر.

  • إذا كانت الكفالة قد أعطيت رغم نهي المدين عنها وفي هذه الحالة لا يمكن اعتبار الكفيل كفيلا عن المدين ولا فضوليا يعمل لحسابه.

  • إذا تبث من خلال التعبير الصريح أو من الظروف أن الكفالة قد أعطيت على سبيل التبرع.


المبحث الثالث: العلاقة بين الكفلاء
هناك حالتين يكون بها الكفلاء إما متضامنين أو غير متضامنين:
إذا كانوا غير متضامنين فإنه لا يحق لأحد منهم الرجوع على غيرهم من الكفلاء لأن كل منهم لا يلتزم إلا في حدود حصته من الدين وفي حالة أدائه لهذه الحصة جاز له الرجوع على المدين الأصلي.
إذا كانوا متضامنين ودفع أحدهم الدين كله عند حلول الأجل يحق له الرجوع على الكفلاء الآخرين كل بقدر حصته وقدر نصيبه في حصة المعسر منهم (ف 1145 من ق.ل.ع) تشير م 1146 ق.ل.ع إلى حالة تصالح الكفيل مع الدائن فإنه ليس من حقه الرجوع على الكفلاء الآخرين إلا في حدود حصتهم مما أداه حقيقة أو في حدود حصتهم من قيمة ما أداه إذا كان شيئا محددا بذاته.
يقتضي عقد الكفالة باعتباره من الضمانات الشخصية مثله مثل باقي الضمانات العينية (عقد الرهن الرسمي، عقد الرهن الحيازي، حقوق الامتياز): إما بصورة تبعية تبعا لانقضاء الالتزام الأصلي فأسباب انقضائه بصورة تبعية تتجلى في بطلان الالتزام الأصلي، انتهاء الكفالة الوفاء بالدين أو بالمقابل أو المقاصة أو اتحاد الذمة أو الإبراء من الدين أو التقادم. أما الصورة الثانية لانقضاء عقد الكفالة تتم بصورة أصلية وذلك بالاستقلال عن الدين الأصلي المضمون الذي يبقى قائما وموجودا وانقضاء الكفالة بهذه الصورة يكون بنفس أسباب انقضاء الالتزام عموما وهذا ما جاءت به المادة 1151 من ق.ل.ع.


المراجع
- الشهاوي قدري عبد الفتاح. أحكام عقد الكفالة التضامن في التشريع المصري والمقارن.
- عقد الكفالة دراسة مقارنة. سعد أحمد محمود.
- الوجيز في العقود المسماة دراسة مقرنة للعقود باعتبا جدواها، لمحمد بونبات.
- الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي الكتاب الثاني العقود المسماة وما شابهها الجزء 4. الصلح – الكفالة.
- الرهن الحيازي في مختلف أنواع العقود. عبد الكريم شهبون.

الجمعة، 11 يناير 2013

أحكام الكفالة في القانون المغربي (الجزء الثاني)


       المبحث الثالث: تمييز الكفالة وما شبيه بها    
هناك خصائص تشترك فيها الكفالة مع مجموعة من النظم، ولما كان نظام من هذه النظم قد خصص له أحكام قانونية يستقل بها دون ما سواه مما يشبه به.
لذا لزم أن تعرض أوجه التمييز بين الكفالة وهذه النظم القانونية لاسيما في ظل اشتراكهم في خصائص واحدة، حيث ستبرز الخصيصة المشتركة بين الكفالة وكل نظام من النظم مع إيضاح أوجه التمييز الذي يجعل كل نظام من هذه النظم بما فيها الكفالة يحتفظ بذاتيته وأحكامه المستقلة، على الرغم من التشابه القائم بينهم سواء من حيث التكوين القانوني أو من حيث الوظيفة الاقتصادية وهذه النظم تتجلى في:
1.  التزام الموظف
2.  التضامن بين المدينين
3.  التعهد عن الغير
4.  الإنابة الناقصة

أولا: التزام الموظف.
ما يسمى في العمل "كفالة" وهو دفع النقود ضمانا للقيام بعمل معين أو أداء التزام معين كما هو الشأن في المبالغ التي يدفعها بعض الموظفين أو المحصلين ضمانا لحسن قيامهم بأعمالهم. فدفع هذه المبالغ لا يعدو أن يكون رهنا حيازيا لها، أي تأمينا عينيا، على خلاف عقد الكفالة باعتباره التزاما تبعيا يتعهد فيه الكفيل بأن يفي الالتزام المكفول إذا لم يف به المدين نفسه ويمكننا التمييز بين النوعين سافي الذكر (عقد الكفالة والتزام الموظف) من حيث:
أ‌-    الشكل القانوني: فالكفالة محور دراستنا تعتبر التطبيق النموذجي للتأمينات الشخصية دائما تتم بعقد باعتباره الشكل القانوني الذي تصاغ فيه في حين أن الكفالة التي تنطوي على دفع مبلغ من النقود، قد تتم بعقد وقد تكون بناء على تنفيذ اللوائح الداخلية يلتزم بها الموظف قبل جهة عمله.
ب‌-    التزام الكفيل قد يكون على سبيل التبرع وقد يكون بعوض أما التزام الموظف بإيداع الكفالة فعادة يكون بمناسبة وظيفته، والتي يتلقى بشأنها أجر ومن ثم يكون التزامه دائما على سبيل المعاوضة حيث يتقاضى أجره مقابل القيام بهذه الوظيفة.
ت‌-    التزام الكفيل دائما يكون بمناسبة إخلال الغير عن تنفيذ التزامه وهو المدين في هذا القصد، في حين أن التزام الموظف الكفيل يكون بمناسبة إخلاله هو نفسه بالقيام بعمل ما التزم به تجاه جهة عمله ومن ثم يمكن القول أن استحقاق جهة المبلغ الذي أودعه الموظف هو نتيجة لخطئه في عمله الأصلي، فإن هذا الالتزام يمكن القول بصدده أنه التزام على سبيل التعويض في حين أن التزام الكفيل بالوفاء بالدين في حالة عدم وفاء المدين الأصلي به يمكن القول بصدده أن التزام بدلي.
ثانيا: التضامن بين المدينين.
هناك اختلافا بين الكفالة والتضامن بين المدينين، ففي الالتزام التضامني يتعدد المدينون ويكون التزام كل منهم التزاما أصليا فيكون من حق الدائن أن يطالب أيا منهم بكل الدين، مما يعني أن المدين المتضامن يلتزم في مواجهة الدائن بحصة المدينين الآخرين مع الوفاء بحصته وكل ذلك نقيض التزام الكفيل والذي يعد التزاما تبعيا الالتزام المدين، فتبعية التزام الكفيل تجعله في مركز مختلف عن مركز المدين المتضامن حيث أن هذا الأخير يلتزم بوفاء دين نفسه في حين أن وفاء الكفيل يكون عن التزام غيره ويترتب عن اختلاف مركز الكفيل المتضامن عن مركز المدين المتضامن أن الكفيل أن يدفع حين مطالبته بالدين بكل الدفوع التي تجوز للمدين إبدائها لرد المطالبة من بطلان أو سقوط الكفيل وإن كان متضامنا يلتزم بصفة تبعية بالدين على خلاف المدين المتضامن فهو يلزم بصفة أصلية حتى ولو لم تكن له في علاقته بالمدينين الآخرين مصلحة في الدين.
ثالثا: التعهد عن الغير.
تعتبر الكفالة رابطة قانونية يكون عند عقد الالتزام بها طرفا العقد معلومين في حين أن التعهد عن الغير هو وضع قانوني يكون فيه أحد أطراف العقد معروفا وليس كالأطراف العقد.
إن المتعهد عن الغير ينشأ في ذمته التزام أصلي قبل من تعهد له، ومقتضاه أن يحمل الغير على قبول التزام معين غير أن الغير الذي تعهد عنه له الحرية الكاملة في قبول التعهد أو رفضه لأن المتعهد يلزم نفسه بتعهده ولا يلزم الغير.
أما التزام الكفيل فهو تبعي حيث يلتزم بأن يفي بالتزام المدين إذا ** به المدين الأصلي وعليه فمطل التزام المتعهد يختلفه عن محل التزام الغير في حين أن التزام الكفيل يستند إلى التزام المدين الأصلي المكفول عنه ومحله ضمان تنفيذه.
بناء عليه فأن الغير إن رفض القيام بتنفيذ ما تعهد به المتعهد فإن هذا الأخير يعتبر قد أخل بالتزام ترتب في ذمته ومن ثم وجب عليه تعويض المتعهد له عما ناله من ضرر ويضاف إلى ذلك إن التزام المتعهد لا يقوم في نفس الوقت مع التزام الغير إذ في الوقت الذي يقبل فيه الغير الالتزام تبرأ ذمة المتعهد لأن تعهده قد تحقق، في حين أن الكفيل لا تبرأ ذمته إلا بوفاء المدين بالتزامه الذي كفله الكفيل يضمن وفاء المدين بالتزامه أما المتعهد فيتعهد بقبول الغير الالتزام المعين دون أن يضمن وفائه به.
إن وجه اللبس بين التزام كل من الكفيل والمتعهد يتجلى في كون الجزاء على عدم التزام الغير بموضوع التعهد هو التزام المتعهد بالتعويض، ويجوز له كصورة من الصور التعويض أن ينفذ هو هذا الالتزام وقد يؤدي هذا الاعتقاد بأن المتعهد عن الغير هو في حقيقته كفيل لأنه ينفذ التزاما كان المفروض أن يتحمل به لغيره ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح لأن المتعهد عن الغير قد التزم بصفة أصلية بأن يجعل الغير يلتزم بأمر ما والتزامه هو من ثم جاز له كصورة من صور التعويض تنفيذ الالتزام بنفسه وبذلك ففكرة التبعية هي التي تميز بين التزام الكفيل والتزام المتعهد عن الغير.
رابعا: الإنابة الناقصة والكفالة.
تتم الإنابة الناقصة إذا حصل المدين الأصلي على رضاء الدائن بأن يلتزم شخص آخر بوفاء الدين مكانه ولا يلتزم أن يكون الغير مدينا للمدين ويقوم الالتزام الجديد إلى جانب الالتزام الأول ولا يشترط لصحة التزام المناوب أن يكون التزام المنيب صحيحا أو غير قابل للدفع وإنما يكون للمناب الرجوع على المنيب.
لا شك في أن طبيعة التزام كل من المناب والكفيل تختلف عن الأخرى لأمر الذي يحققه الاستغلال لكل من النظامين.
فالمناب يلتزم التزاما أصليا بجانب المنيب (المنيب الأصلي) في مواجهة المناب لدبه أما التزام الكفيل فعلى الرغم من أنه يقوم بجوار التزام المدين الأصلي إلا أن التزامه هذا يتبع التزام الأصلي في صحته وفي وجوبه وانقضائه وسقوطه وبطلانه ومن ثم فخصيصة التبعية للالتزام الكفيل ترتب له من الحقوق ما لا يتمتع به المناب (المدين الجديد) ويظهر ذلك في علاقته بالدائن حيث لا يجوز له الدفع في مواجهة الدائن بضرورة رجوعه أولا على المنيب في حين أن هذا الحق ثابت للكفيل باعتبار التزامه التزاما تبعيا ولا يجوز له أن يتمسك في مواجهة الدائن بضرورة التنفيذ أولا على أموال المدين وتجريده من أمواله قبل الشروع في التنفيذ على أموال الكفيل.

الفصل الثاني: آثار الكفالة
سنقوم بعرض آثار الكفالة عن طريق التطرق لكل من علاقة الكفيل بالدائن (المبحث الأول) وعلاقة الكفيل بالمدين الأصلي (المبحث الثاني) ثم علاقة الكفلاء فيما بينهم (المبحث الثالث)

       المبحث الأول: العلاقة بين الكفيل والدائن
سنتناول هذا المبحث بتفصيل في نقطتين أولا: رجوع الدائن على الكفيل مباشرة، وثانيا حق الكفيل التمسك بدفوع المدين.
أولا: رجوع الدائن على الكفيل مباشرة.
عقد الكفالة لا يفترض التضامن في الوفاء بالدين بين الكفيل وبين المدين لأن التضامن غير مفترض ما لم يشترط هذا التضامن صراحة في صلب عقد الكفالة أو ما لم تعتبر الكفالة عملا تجاريا بالنسبة إلى الكفيل وفي هاتين الحالتين تخضع آثار الكفالة للقواعد المتعلقة بالتضامن بين المدينين (الفصل 1133 ق.ل.ع).
يبين الفصل 1134 ق ل ع مبدأ عام يقضي بعدم إمكانية رجوع الدائن على الكفيل إلا بعد مباشرة حقوقه اتجاه المدين لكن الفصل 1135 خرج على هذا المبدأ العام عندما سمح للدائن بالرجوع على الكفيل وذلك في الحالات التالية:
وهناك ثلاث حالات:
·      إذا مات الكفيل قبل حلول الأجل دون ضرورة الانتظار حلول أجل المدين الأصلي يجوز للدائن الرجوع على ورثته وإذا دفع الورثة الدين في هذه الحالة كان لهم أن يرجعوا على المدين عند حلول أجل الالتزام الأصلي.
·      حق الدائن الرجوع على الكفيل عند إفلاسه لأن يرتب عن ذلك حلول أجل الدين بالنسبة للكفيل وذلك حتى ولو لم يحل أجل الالتزام الأصلي وفي هذه الحالة يجوز للدائن أن يتقدم في تفليسه بالدين رغم أن الدين مازال مؤجلا بالنسبة للمدين وعند تأخره بهذه الإجراءات جاز للكفيل العادي أن يطلب إبراء ذمته بفعل إهمال الدائن وتماطله.
·      هناك حالة ثالثة ثم التنصيص عليها في نفس المادة (م 1135 ق.ل.ع) وهي أن وفاة المدين تؤدي إلى حلول أجل الدين بالنسبة إلى تركته ولكن لا يسوغ للدائن مطالبة الكفالة قبل حلول الأجل المتفق عليه إلا أن هذه الحالة قد ألغيت بعد إلغاء الفصل 140 ق.ل.ع بموجب ظهير 19 يوليوز 1922 ففي الحالات العادية فإن الدائن لا يرجع ولا يحق له الرجوع على الكفيل حالة عدم أداء المدين دينه في الأجل المتفق عليه إن لم يقم ببعض الإجراءات والأعمال، وقد أوضح الفصل 1136 بهذا الصدد ما يلي:
"للكفيل الحق في أن يطلب من الدائن أن يقوم أولا بتجريد المدين من أمواله المنقولة والعقارية بشرط أن تكون قابلة للتنفيذ عليها وأن توجد داخل المملكة وأن يقوم بإرشاده إليها"
الدفع بتجريد المدين يجب أن تتوفر فيه الشروط الآتية:


  •    أن يتمسك به الكفيل باعتباره صاحب المصلحة.
  •    أن تكون تلك الأموال موجودة داخل المملكة.

  •    أن تكون تلك الأموال غير متنازع عليها.

  •    أن تكون تلك الأموال التي يرشد إليها الكفيل الدائن غير مثلة رهون رسمية تستغرق جزءا كبيرا من قيمتها وأن يكون حق المدين عليها مؤكدا غير قابل للفسخ.

  •     أن تكون تلك الأموال التي يرشد إليها الكفيل كافية للوفاء بحق الدائن كاملا.


ثانيا: حق الكفيل التمسك بدفوع المدين.
قد أجازت المادة 1140 ق.ل.ع للكفيل الحق في التمسك في مواجهة الدائن بكل دفوع المدين الأصلي سواء كانت له أم متعلقة بالدين المطلوب ومنها تلك المؤسسة على نقص أهليته وله أن يتمسك بهذه الدفوع حتى رغم اعتراض المدين أو حتى رغم تنازله عنها أكثر من ذلك يحق للكفيل أن يتمسك بالدفوع ذات الطابع الشخصي بالنسبة للمدين مثل الدفع المستمد من الإبراء من الدين الحاصل للمدين شخصيا.
وللكفيل الحق في أن يرجع على الدائن من أجل إبراء ذمته من الدين بمجرد أن يتأخر في المطالبة بعد أن يصبح مستحق الأداء (م 1142 ق.ل.ع).
في حالة تعدد الكفلاء يجب لمعرفة وضعيتهم التمييز بين وضعيتين:
الوضع الأول: إذا كان الكفلاء قد كفلوا بعقد واحد بنفس الدين ولم يشترطوا التضامن فيما بينهم لم يلتزم كل منهم إلا بحصته من الدين.
الوضع الثاني: أما إذا شترطوا فيما بينهم أو إذا كانت الكفالة قد أبرمت من كل كفيل على انفراد من أجل الدين كله أو إذا كانت الكفالة تعتبر عمل تجاري بالنسبة إلى الكفلاء اعتبروا مضامين في مواجهة الدائن وجاز للدائن مطالبة كل منهم بالدين برمته.
وبخصوص كفيل الكفيل فلا يلتزم إزاء الدائن إلا عند إعسار المدين الأصلي والكفلاء جميعا أو إذا كان الكفيل قد تحلل من الكفالة نتيجة تمسكه بدفوع شخصية محضة خاصة به (ف 1138 ق.ل.ع).



المراجع
- الشهاوي قدري عبد الفتاح. أحكام عقد الكفالة التضامن في التشريع المصري والمقارن.
- عقد الكفالة دراسة مقارنة. سعد أحمد محمود.
- الوجيز في العقود المسماة دراسة مقرنة للعقود باعتبا جدواها، لمحمد بونبات.
- الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي الكتاب الثاني العقود المسماة وما شابهها الجزء 4. الصلح – الكفالة.
- الرهن الحيازي في مختلف أنواع العقود. عبد الكريم شهبون.