الاثنين، 31 ديسمبر 2012

دور البصمة الوراثية في الإثبات الجنائي( الجزء الأول)


يعد الإثبات العمود الفقري لقواعد قانون المسطرة الجنائية، وقد عرف تطورا تاريخيا في حياة البشرية وفي مختلف المجتمعات وقوانينها. إذ شهدت مسيرة الإنسان كفاحه ضد الظلم والتعسف، فبعد أن أهدرت كرامة الإنسان وانتهكت حرياته وبعد ما خضع له من أصناف التعذيب بمختلف ألوانه من أجل إثبات براءته مما هو منسوب من أفعال إجرامية، وصل الأمر إلى أن تم القضاء على كل المفاهيم المختلفة في كيفية تطبيق العدالة وفتح بابا واسعا بإرساء دعائم القواعد الأصولية التي تصون حريات الأفراد وحقوقهم كما تحقق حماية المجتمع.
وعليه فإن الدور الذي تلعبه قواعد الإثبات لا يستمد أميته فقط من تحقيقه لمقتضيات المصلحة العامة في إدانة المذنب وإنما قبل ذلك تحقيق مصلحة الفرد لا تقل عن مصلحة المجتمع أهمية، وكذالك في مصلحتنا عدم إدانة بريء، فكلنا يستطيع أن يمنع نفسه من ارتكاب جريمة، لكم لا أحد منا يضمن تجنب مخاطر الاتهام، لهذا فإن أهمية الإثبات تجسد الوسيلة الأساسية التي تؤدي إلى تبديد الغموض الذي يلف الواقعة الجرمية، وتسمح بالتالي بتوقيع العقاب على من يستحق وفقط، مما كان من ضرورة أن تحاط مسطرته بأقصى ما يمكن من الضمانات ابتداء من مرحلة البحث إلى غاية مرحلة المحاكمة. ولا شك أن للإثبات أيضا أهمية قانونية من خلال منطوق الحكم للأدلة الدامغة التي استند عليها قاضي الحكم في حكمه، ولهذا قيل بأن الإثبات مرتبط على الدوام بكل جهد قضائي يبدل في سبيل إظهار الحقيقة الواقعية، هذا الجهد الذي كان وسيظل محتفظا بأهميته القصوى وبدوره الحاسم في مصير الدعوى الجنائية بحكم أن القاضي الجنائي يحاكم قبل كل شيء إنسانا لا مجرد وقائع إجرامية، لذا يستلزم منه أن يتعرف على مختلف الملابسات التي أحاطت بالقضية المعروضة عليه لمعرفة الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية للظنين.
وتزداد أهمية الإثبات بتطوره العلمي الحديث حيث بدأ يعتمد على أسلوب حضاري يهدف التعرف على الحقيقة بالاستعانة بالعلوم الطبيعية والفيزيائية والكيميائية والرياضية.
وبهذا فإن وسائل الإثبات الجنائي تتعدد كما تتعدد تقسيماتها إذ نجد منها ما هو منظم بشكل مفصل بينما البعض الآخر لم يظهر إلا مؤخرا أو ظهر منذ سنوات خلت ولكن لم يتم تنظيمه وأحيانا ينظر إليها من زوايا وسائل تقليدية وأخرى حديثة.
ومن تم فإن وسائل الإثبات التقليدية تتمثل في الشهادة والاعتراف والخبرة والقرائن أما وسائل الإثبات الحديثة في الإثبات الجنائي فهي متعددة ومتطورة مثل: جهاز كشف الكذب، البصمات، التنويم المغناطيسي، التسجيل الصوتي والبصمة الوراثية وهذه الأخيرة هي التي ستكون محل نقاش وتحليل.

المبحث الأول: الجانب النظري للبصمة الوراثية.
يتمثل الجانب العلمي للبصمة الوراثية في انتشارها بين أجهزة القضاء ومأموري الضبط القضائي على اعتبارها دليل علمي كلي، كما يدور الجانب العلمي للبصمة الوراثية في حقلها البيولوجي وشروطها العلمية والقائمين عليها وضوابطها الشرعية حتى يتسنى للقضاء العمل بها كدليل مادي مقبول.
لهذا سوف نتطرق إلى ماهية البصمة الوراثية (المطلب الأول) وتقسيم عمل البصمة الوراثية إجراء وقضاء (المطلب الثاني).
المطلب الأول: ماهية البصمة الوراثية:
تعتبر البصمة الوراثية من بين وسائل الإثبات الحديثة التي تستعمل على نطاق واسع في إثبات الجرائم. وللإحاطة بذلك نعمل على تعريف البصمة الوراثية ومكوناتها (فقرة أولى)، وشروط العمل بالبصمة الوراثية ومميزاتها (فقرة ثانية).
الفقرة الأولى: تعريف البصمة الوراثية ومكوناتها:
أولا: تعريف البصمة الوراثية:
لم تعرف البصمة الوراثية حتى عام 1984 حينما نشر "إليك جيفري" عالم الوراثة بجامعة "ليستر" بلندن، بحثا أوضح فيه أن هذه المادة الوراثية قد تتكرر عدة مرات وتعيد نفسها في تشابهات عشوائية غير مفهومة، وواصل أبحاثه حتى توصل بعد عام واحد إلى أن هذه التشابهات مميزة لكل فرد، ولا يمكن أن تتشابه بين الأفراد إلا في حالة التوائم المماثلة فقط، بل إن احتمال تشابه بصمتين وراثيتين بين شخص وآخر يكاد يكون مستحيلا، وسجل "إليك" براءة اكتشافه عام 1985 وأطلق على هذه التشابهات اسم البصمة الوراثية –ADN-.
فلقد اجتهد العلماء المعاصرون في وضع تعريف مناسب للبصمة الوراثية باعتبارها من المصطلحات العلمية الحديثة، وقد اختلفوا في هذه التعريفات. فقد عرفتها "ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية": "البصمة الوراثية وهي البنية الجينية نسبة إلى الجينات المورثات التي تدل على هوية كل فرد بعينه وهي وسيلة لا تكاد تخطئ في تحقق الوالدية البيولوجية والتحقق من الشخصية".
وعرفها الدكتور "عبد الله عبد الغني غانم" بأنها: "صورة لتركيب المادة الحاملة للعوامل الوراثية أي هي صورة الحمض النووي الذي يحتوي على الصفات الوراثية للإنسان أو بمعنى أدق هي صورة تتابع النيوكليوتيدات التي تكون جزئي الحامض النووي الوراثي".
في حين أن التعريف العلمي للبصمة الوراثية هو من بين التعاريف التي تلقى قبولا من طرف العلماء، وهو أن البصمة الوراثية هي التركيب الوراثي الناتج عن فحص الحمض النووي لعدد واحد أو أكثر من أنظمة الدلالات الوراثية.
وبالتالي فإن مادة ADN (بصمة الحمض النووي) هي واحد في كل خلية وسائل ونسيج في جسم الفرد ولا يمكن تغييره بواسطة أي علاج معروف وعليه فإن هذه المادة أصبحت رائدة في الاستعراف والتمييز بين أبناء الجنس البشري.
ثانيا: مكونات البصمة الوراثية (التركيب البنائي ل: ADN):
يتركب جزئي الحمض النووي ADN من وحدات متكررة بترتيب معين عل شكل سلسلة طويلة جدا تسمى نيوكليوتيدات. وتتكون كل واحدة من هذه النيوكليوتيدات من سكر الرايبوزي الخماسي منقوص الأكسيجين وحامض الفسفوريك، وأربعة قواعد نيتروجينية هي: (أدنين، جوانين، سيتوسين، ثايمين) ويرمز لها وفق الرموز التالية:(A.T.C.G)، ويتصل الأدنين دوما بالثايمين (A-T)، ويتصل الجوانين دوما بالسيتوسين (G-C) لتكوين القواعد النيتروجينية الأساسية التي ترتبط مع بعضها عن طريق روابط هيدروجينية. ولكي تكون السلسلة عديدة النيوكليوتيد تتصل كل واحدة من هذه القواعد بالسكر الخماسي المنقوص الأكسيجين، ويتصل هذا السكر بالمركب الفسفوري.
ويوجد الحمض النووي على هيئة سلاسل حلزونية ملتفة حول نفسها. وتسلسل القواعد النيترويجنية على جزيء هذا الحمض النووي هو الذي يكون درجات هذه السلاسل وكل درجة تتكون من قاعدتين لديهما قابلية قوية للارتباط معا بواسطة روابط هيدروجينية وتسمى زوجا قاعديا.
ويحدث ذلك بالتفاف سلسلتين من السلاسل متعددة النيوكليوتيد حول بعضها على صورة حلزون مزدوج لتكون جزيء الحمض النووي، بحيث أن القواعد النيتروجينية تكون داخل الحلزون وأن الأدنين (A) في إحدى السلسلتين يكون مقابلا للثايمين (T) لتكوين رابطتين هدروجينيتين بينهما (A-T)، والجوانين مقابلا للسيتوسين لتكوين ثلاث روابط هيدروجينية بينها في السلسلة الأخرى. وقد وضع العالم والسون وكريك هذا النموذج لجزيء ADN عام 1953م.
الفقرة الثانية: شروط العمل بالبصمة الوراثية ومميزاتها:
بما أن البصمة الوراثية تعتبر حديثة عهد ليس ببعيد، وبما أن البصمة الوراثية تتصف بخاصية الدقة والتعقيد فكان لابد للفقهاء من أ،ن يقوموا بوضع شروط عامة لذلك من الناحيتين العلمية "الطبية" والشرعية (أولا)، كما أن البصمة الوراثية تتميز بخصائص تميزها عن باقي وسائل الإثبات الحديثة (ثانيا).
أولا: شروط العمل بالبصمة الوراثية:
نظرا لقوة العلاقة التي تربط بين أهل الطب وأهل الشرع على اعتبار أن أهل الطب هم الضلع المساعد لأهل الشرع في كشف خبايا لا دراية لأهل الشرع بها، حتى يتسنى لأهل الشرع إصدار أحكامهم الشرعية بناء على أقوال أهل الطب. وحول هذا فإننا سنقسم شروط العمل بالبصمة الوراثية إلى شروط تخص الجانب الشرعي وأخرى تخص الجانب العلمي.
أ) شروط البصمة الوراثية من الناحية الشرعية:
1.  ألا تخالف نتائج البصمة الوراثية صدق النصوص الشرعية الثابتة من الكتاب والسنة حتى لا يؤدي ذلك إلى إهمال النصوص الشرعية مقطوع بصحتها وجلب المفاسد.
2..   يجب ألا تخالف تحاليل البصمة الوراثية العقل والمنطق والواقع.
3.   أن تكون أوامر التحاليل البيولوجية للبصمة الوراثية بناء على أوامر من القضاء أو من له السلطة حتى يقفل باب التلاعب وإتباع الأهواء.
4. أن تستعمل التحاليل الفنية للبصمة الوراثية في الحالات التي يجوز التأكد من إثبات النسب لعدم ضياعه وغيرها من الحالات الضرورية.
5.  منع القطاع الخاص والشركات التجارية من المتاجرة فيها، وفرض عقوبات لكل من تسول له نفسه التلاعب بالجينات البشرية.
ب) شروط البصمة الوراثية من الناحية العلمية:
1.  أن تكون المختبرات والمعامل الفنية تابعة للدولة وتحت رقابتها.
2. أن تكون هذه المختبرات والمعامل مزودة بأحسن الأجهزة ذات التقنيات العالمية والمواصفات القابلة للاستمرارية والتفاعل مع العينات.
3.   أن يكون العاملون في هذه المختبرات من خبراء وتقنيين ممن يتصفون ويتسمون بصفات الأمانة والخلق الحسن والعدل في العمل.
4.  أن يكون العاملون على البصمة الوراثية من أصحاب الخبرة العالية والمستوى الرفيع وممن يشهد لهم بالتقدم العلمي والتقني.
5.  ينبغي أن لا يقبل قول الخبير في البصمة الوراثية إذا كان ذلك يجر لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا.
ثانيا: مميزات البصمة الوراثية:
إن البصمة الوراثية باعتبارها من أهم وأنجع الوسائل الحديثة في الإثبات الجنائي، فإن ذلك يجعلها تتميز بخصائص تميزها عن باقي وسائل الإثبات الحديثة الأخرى. ومن أهم هذه المميزات نذكر:
1.  أنها قرينة نفي وإثبات بخلاف فصائل الدم فهي وسيلة نفي فقط.
2. امتياز الحمض النووي بقوة ثبات كبيرة جدا في أقصى الظروف البيئية المختلفة (حرارة، رطوبة، جفاف)، حيث ثبت أن الحمض النووي يقاوم عوامل التحلل والتعفن لفترة طويلة جدا.
3.   تظهر آثار البصمة الوراثية بواسطة خطوط يسهل قراءتها وتخزينها في الحاسب الآلي.
4.  يمكن بواسطة تقنية ADNإثبات وقوع الجريمة في حالات اختفاء جسم الجريمة (الجثة)، ووجود آثار منها كالدماء أو العظام إذ يمكن إرجاع هذه الآثار إلى المجني عله والتأكد من وقوع الجريمة بشرط وجود أشخاص قاموا بالإبلاغ عن مفقودين حتى يتمكن الرجوع إليهم وعمل المقارنة.
5. بصمة الحمض النووي هي أصل كل العلامات الوراثية، ومتى حصل أي خلل في الحمض النووي فإنه يظهر على صورة مرض.

المراجع:
- الكعبي خليفة علي، البصمة الوراثية وأثارها على الأحكام الفقهية.
- المعايضة منصور عمر، الأدلة الجنائية والتحقيق الجنائي لرجال القضاء. 
- محمد العروصي، المختصر في التحقيق الإعدادي و وسائل الإثبات.
- أحمد أحمد أبو قاسم، دليل المادي وأثره في الإثبات الجنائي.
- البحث حول، وسائل الإثبات في الميدان الزجري.

الأحد، 23 ديسمبر 2012

قانون المسطرة الجنائية وحالات التلبس

يقصد بالتلبس لغويا ما ظهر للعيان بجلاء ووضوح، غير أن التشريعات الجنائية لا تقف عادة عند المدلول اللغوي الدقيق للتلبس، وهو ما يترتب عنه بقوة النصوص القانونية اعتبار حالات بمثابة تلبس وغم كونها ليست كذلك. والمشرع المغربي كرس حالات التلبس في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية. رغم كون بعض هذه الحالات بعيدة عن أن تكون حالة تلبس بمفهومها الدقيق، وهكذا تتحقق حالة التلبس في الجنائية والجنحة طبقا للمادة 56 من قانون المسطرة الجنائية في الحالات الآتية:
أولا: حالات التلبس الحقيقي:
أ‌) حالة ضبط المتهم بارتكاب الجريمة: مثل ضبط المتهمين بقاعة النوم مجردين من ثيابهما على الساعة 12 ليلا. فالتلبس الحقيقي يقتضي بالضرورة مشاهدة المتهم منهمك في ارتكاب الفعل المادي للجريمة وهو ما يتطلب بالضرورة نوعا من الامتداد الزمني ولو نسبيا للفعل الإجرامي لإمكانية معاينته وهو ما يترتب عنه التمييز بين صنفين من الجرائم: الجرائم الآنية: والتي يتم إنجازها في زمن قصير لا يسمح بمعاينة الفعل الإجرامي لعدم امتداده في الزمن وهكذا فهي جرائم تتحول بسرعة فائقة من جرائم في حالة إنجازها إلى جرائم ارتكبت بالفعل وتم إنجازها وإتمام ركنها المادي. وبالتالي فإن هذا النوع من الجرائم من الصعب إن لم يكن ذلك مستحيلا معاينة إنجاز ركنها المادي. وهناك الجرائم المستمرة: يمتد إنجاز ركنها المادي واستغراقه زمنا طويلا نسبيا، مما يسمح لضابط الشرطة القضائية معاينة إنجازه كجرائم إخفاء المسروقات، الخيانة الزوجية...، ولا يمكن إثبات حالة التلبس في مثل هذه الجرائم إلا بناء على محضر يحرره ضابط الشرطة القضائية في كل حالات التلبس الحقيقي.
ب‌)  ضبط الفاعل على إثر إنجازه: تتمثل هذه الحالة في ضبط الفاعل بعد الانتهاء من تنفيذ ماديات الجريمة، وبالتالي لا يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يعاين إنجاز الفعل وإلا كنا إزاء الحالة الأولى. إن مرتكب الفعل المادي يتم ضبطه بعد مرور فترة زمنية أي بعد إنجازه، وقد اعتبر الفقه وهو محق أن قيام المشرع باستعمال تعبير (على إثر إنجازه) يمنع اعتبار مرور فاصل زمني بين إنجاز الفعل وبين اكتشافه وإن القصد من  ذلك حصول هذا الاكتشاف في اللحظة التي يكون الجاني يقوم بآخر عمل نهائي يندرج ضمن ماديات الجريمة.
ثانيا: حالات التلبس الافتراضي:
أ‌)  مطاردة المشبوه فيه من طرف الجمهور: تنطوي هذه الحالة على مخاطر كبيرة، اعتبارا لعدم وجود تلازم منطقي ومؤكد بين أن يعتبر من يطارد بصياح الجمهور هو بالفعل من ارتكب الجريمة. حتى ولو سلمنا جدلا بأنه في بعض الوضعيات يكون بالفعل المتهم هو من يطارد من طرف الجمهور، فإنه لا يتعين علينا اعتبار كل من وجد في هذه الوضعية هو بالفعل مرتكب الجريمة، وهكذا سيتم اعتبار عامل ملاحقة الشخص من طرف الجمهور دليل إدانة وهو ما اعتبره بعض الباحثين المغاربة، انتقال من تلبس قانوني إلى تلبيس التهمة لشخص بسبب قدره ساقه لمكان ما وأن سبب خوف اعتراه أطلق ساقه للريح، واعتقد بعض الناس هو من ارتكب الجريمة.
ب‌) ضبط المتهم حاملا أسلحة أو عليه أثار بعد مرور زمن قصير على ارتكاب الفعل: في هذه الحالة لا يكون فيها أدنى ارتباط بين زمن ارتكاب الفعل المادي وبين واقعة ضبط المتهم، والمشرع لم يقم بتحديد المقصود بالزمن القصير وفي ظل غياب معيار متفق عليه من قبل الجميع، فإن الفقه المغربي تعامل بنوع من التضييق والتشديد لتحديد مفهوم الزمن القصير واعتبر أنه لابد وأن لا يتجاوز على أبعد تقدير بضعة ساعات وطبقا للنص لابد وأن تضبط بحوزة الفاعل أدوات وأشياء يستدل منها استعملت في ارتكاب الجريمة لاعتباره في حالة تلبس.
ت‌) التماس مالك المنزل من النيابة العامة أو ضابط الشرطة معاينة الجريمة المرتكبة بداخله: بكل وضوح لا علاقة لهذه الحالة بمفهوم التلبس، وهو ما عرض هذه الحالة للانتقاد فما معنى في إطار هذه الحالة أن يجد صاحب المنزل أنه تعرض لسرقة بعد عودته من سفر طويل مثلا ثم يتقدم للنيابة العامة أو الشرطة القضائية، وذلك من أجل القيام بالتحريات الضرورية حول جريمة السرقة ويكون في هذه الحالة إزاء حالة تلبس طبقا للمادة 56  من قانون المسطرة الجنائية. ولإمكانية القول بتحقق حالة التلبس في هذه الحالة لابد من توفر شرطين:   
- حدوث الجريمة التي يتعين إجراء التحريات بصددها داخل المنزل سواء كان مسكونا أو كان فقط معدا لذلك.                                  
-أن يلتمس صاحب المنزل من النيابة العامة أو ضابط الشرطة القضائية معاينة الجريمة وآثارها ولا يهم أن يتم تقديم الالتماس من مالك أو الشخص الذي يسكن المنزل كالمكتري مثلا.

المراجع:
- محمد أحداف، شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد، الجزء الاول، الطبعة الثانية 2005.
- قانون المسطرة الجنائية المغربي.


عقد التدرج المهني في إطار قواعد الشغل (الجزء الثالث )

المبحث الثالث: انتهاء عقد التدرج.
ينتهي عقد المهني كباقي العقود المحددة المدة بانتهاء الأجل المحدد له (المطلب الأول) إلا أن هذا العقد قد يوضع له حد قبل الأوان (المطلب الثاني).
المطلب الأول: انتهاء عقد التدرج المهني بحلول أجله.
ونريد في هذا السياق احدى قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 17 مارس 1983 والذي جاء فيه: "حيث يتجلى من محتويات الملف أن المستأنف يعمل كأجير لدى المستأنف عليه وحيث أن العقد الممضي من طرف المستأنف يشير إلى أن صفة هذا الأخير هي كهربائي.
وحيث لم يدل المستأنف عليه بما يفيد بأنه فعلا تكلف مصاريف من أجل تكوين المستأنف مما يبقى معه الطلب غير مقبول وإن الجزاء لا يترتب إلا إذا قام (المكتب الوطني للسكك الحديدية) بما التزم به من تكوين، الشيء الغير الثابت في النازلة.
وحيث إن قانون الشغل قد نظم بقوانين آمرة المدة التي يجب أن يشترطها للعمل عنده متى قام فعلا بتكوين الأجير مهنيا وهي أرع مرات مدة التدريب على ألا تتعدى على الأكثر سنتين وهو الحد الأقصى. كما رتب الجزاء في حالة الإخلال بالالتزام من طرف الأجير وهي أن التعويض يحدد في الحد الأدنى للأجر اليومي عن كل يوم عمل يؤدى إلى غاية انتهاء الالتزام.
وحيث أن العقد المدلى به لم يحدد فترة التدريب، وحتى لو استنتجنا أها سنة، فقد مرت منذ إبرامه 11-03-1974 لغاية 11-10-1976 سنتين وسيعة أشهر والأجير مجرد عون مما يؤكد انعدام التكوين.
وحيث لم يدلي المكتب بما يفيد أنه فعلا قام بتكيون المستأنف مهنيا، وحيث أنه على فرض حصول التكوين وأن مدته سنة الشيء غير الواضح في العقد، فإنه طبقا لقانون الشغل (ظهير 1940) لا يمكن إلا المطالبة بتعويض يساوي الحد الأدنى لأجر يومي عن كل يوم عمل من 11-10-1976 إلى غاية 11-05-1977 وفي المدة الباقية من السنتين المحددتين كحد أقصى طبق القانون الشغل وأن أي شرط مخالف يكون باطلا وعديم الأثر.
وحيث أن الدعوة لم توجه من جهة على أساس قانوني سليم.
المطلب الثاني: انتهاء عقد التدرج المهني قبل حلول أجله.
يمكن فسخ عقد التدرج المهني من طرف المتدرج أو صاحب المقاولة إذا اتفق الطرفان على مدة تجريبية، ففي هذه الحالة يجوز لكلا الطرفين فسخ عقد التدرج المهني بدون تعويض، شريطة إشعار مركز التكوين بالتدرج المهني بهذا الفسخ. وقد نصت المادة 23 من القانون 12.00 بأنه يحق لصاحب المقاولة في حالة تمادي المتدرج بعد إنذاره أو إنذار ولي أمره من لدن صاحب المقاولة أو مركز التكوين بالتدرج المهني في مخالفة التزاماته المترتبة عن هذا القانون والنصوص الصادرة لتطبيقه، فسخ عقد تدرجه بقرار انفرادي لصاحب المقاولة الذي يدخل في حكم الطرد بسبب ارتكاب خطأ فادح، وذلك بعد استشارة الهيئات المكلفة بالإشراف وتتبع وتقويم ومراقبة التدرج.
· المرحلة الإدارية: ويتم في هذه المرحلة محاولة الصلح والتسوية الودية بين المتدرج وصاحب المقاولة داخل أجل لا يتعدى 30 يوما، حيث تقوم الهيئات المكلفة بالإشراف على التدرج المهني بعد أن يعرض النزاع أمامها، إذ لا يجوز رفع أي دعوى بشأن هذا النزاع أمام القضاء إلا بعد المرور بمسطرة الصلح والتسوية الودية.
· المرحلة القضائية: ويتم اللجوء إليها في حالة إخفاق مسطرة الصلح والتسوية الودية ويرفع الخلاف أمام القاضي المختص بواسطة تقرير يتضمن المعلومات والبيانات عن السلوك المهني للطرفين المتنازعين وعن جوهر القضية من طرف الهيئات التي أشرفت على الصلح داخل أجل لا يتعدى 30 يوما قصد الاطلاع على الملف قبل البث فيه.
أما المشرع المصري فقد نص في المادة 14 من قانون العمل لسنة 1981 بأن للعامل المتدرج أن ينهي عمله بشرط أن يخطر الطرف الآخر بذلك قبل 3 أيام. كما أعطت نفس المادة الحق للمشغل في فسخ عقد التدرج وذلك بشرط أن يثبت عدم أهلية العامل المتدرج أو عدم استعداده لتعلم المهنة أو الصناعة بصورة حسنة وأن يخطر العامل المتدرج بذلك الانتهاء بثلاثة أيام على الأقل.
خاتمة.
نختم هذه الدراسة بالإشارة والتنويه إلى أن التنظيم القانوني لعقود التكوين المهني بشكل عام وعقد التدرج المهني على وجه خاص مقارنة مع بعض التشريعات المقارنة يعتبر تقدميا، لكن نجاحه وفعاليته يقتضيان من الجهات المتدخلة والمشرفة على التكوين تشجيعه والدفع به إلى الأمام لمصلحة المتدرجين وباقي المتكونين والمجتع ككل.
وقد أحسن صنعا المشرع عندما نص في المادة 5 من مدونة الشغل على مستجد مهم الذي يتمثل في استفادة المتدرجين من المقتضيات المتعلقة بالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية. لكن ما يعاب عليه هو إغفاله إدراج الاستفادة من الضمان الاجتماعي خلافا لما ذهب إليه المشرع المصري الذي خول المتدرج المهني الحق في الضمان الاجنماعي.


المراجع :
- مدونة الشغل.
- محمد الشرقاني، "علاقات الشغل بين تشريع الشغل ومدونة الشغل"، يناير 2003.
- محمد سعيد بناني، "قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل،علاقات الشغل الفردية"، الجزء الأول مكتبة دار السلام طبعة 2005.
- فاتح كمال، "عقود التكوين المهني في القانون المغربي"، مجلة القصر، عدد 9 شتنبر 2004.
- حمادة محمد أحمد، "الوسيط في علاقات الشغل الفردية"، طبعة 1993.
- عبد العزيز العتيقي، "قانون الشغل المغربي"، مكتبة دار المعارف الجامعية،طبعة 2005.
- السيد محمد السيد عمران، "شرح قانون العمل رقم 137 لسنة 1981 ومشروع القانون الجديد".
- رأفت محمد أحمد حماد، "آثار عقد التدريب المهني"، دار النهضة العربية، طبعة 1995.
- زهران محمود همام محمد، "قانون العمل،عقد الشغل الفردي"، طبعة 1998.
- سليم عام أنور،"قانون العمل"، طبعة  2002.










الأربعاء، 19 ديسمبر 2012

عقد التدرج المهني في إطار قواعد الشغل (الجزء الثاني )


المبحث الثاني: إبرام عقد التدرج المهني
تطبق على عقد التدرج المهني كسائر العقود أولا وقبل كل شيء القواعد العامة ثم القواعد الخاصة المطبقة على عقد الشغل ومقتضيات ظهير 16 أبريل كما وقع تعديله وتتميمه بمقتضى ظهير 27 مارس 1954 ما لم تتعارض مع القانون 12.00 بشأن إحداث وتنظيم التدرج المهني، وقد حدد هذا القانون نظام التدرج المهني فبين شكليات وشروط عقد التدرج (المطلب الأول) وأوضح التزامات الأطراف (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الشروط والبينات الواجب توفرها في عقد التدرج المهني.
لكي يكون عقد التدرج صحيحا أوجب المشرع أن تتوفر وثيقة التدرج علة شروط (الفقرة الأولى) وبيانات (الفقرة الثانية) كما حددها القانون 12.00.
الفقرة الأولى: شروط إبرام عقد التدرج.
سنتطرق في حديثنا عن هذه الشروط إلى بيان الشروط الواجب توفرها في كل من وثيقة التدرج (أولا) والمتدرج (ثانيا) والمشغل (ثالثا).
أولا: الشروط الواجب توفرها في وثيقة التدرج.
حسب ما قضت به المادة 12 من القانون 12.00، يبرم عقد التدرج المهني بين صاحب المقاولة والمتدرج أو ولي أمره. إلا أنه يجب أن يستوفي مجموعة من الشروط حددها القانون، حيث يجب أن يحرر العقد في مطبوع تسلمه مجانا الهيئات المكلفة على الصعيد الوطني والجهوي والمحلي بتخطيط التدرج وتنظيمه والإشراف عليه وتتبعه وتقويمه (مراكز التكوين بالتدرج المهني، مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، وزارة التكوين المهني، اللجنة الوطنية واللجان الإقليمية للتكوين...).
كما أنه لابد أن يوقع العقد من طرف صاحب المقاولة والمتدرج أو ولي أمره، ويتم إيداعه لدى مركز التكوين بالتدرج المهني وفقا للشروط التي تحددها الإدارة، غير أنه إذا كان صاحب المقاولة أب المتدرج أو ولي أمره فإن عقد التدرج يأخذ شكل تصريح يدلي به صاحب المقاولة في شكل خاص ووفق نفس الشروط السالفة الذكر.
ثانيا: الشروط الواجبة في صاحب المقاولة.
تنص المادة 7 من القانون 12.00 على أنه يمكن لكل صاحب مقاولة أن يستقبل المتدرجين إذا توفرت فيه الشروط الآتية:
أ‌- أن لا يكون صدر في حقه حكم بسبب جناية أو جنحة ذات طابع أخلاقي أو لها علاقة بالإضرار بالقاصرين.
ب‌- أن لا يقل سنه عن 20 سنة.
ت‌- أن ينتدب مؤطرا للتدرج المهني يتكلف بتأطير المتدرجين، ما لم يحتفظ لنفسه بهذه الصفة، ويجب على المؤطر أن يستوفي الشروط المحدد بنص تنظيمي.
ويحدد عدد المتدرجين المسموح باستقبالهم من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالتكوين المهني، باقتراح من مراكز التكوين بالتدرج المهني.
ولا يجوز أن يترتب عن استقبال المتدرجين أي تقليص لعدد العاملين بالمقاولة وأي مساس بطاقتها التشغيلية الفعلية.
ثالثا: الشروط الواجبة في المتدرج.
قضت المادة 6 من القانون 12.00 بأنه يمكن أن يقبل متدرج كل شخص تتوفر في الشروط التالية:
أ‌- أن يكون بالغا من العمر 15 سنة على الأقل عند تاريخ إبرام عقد التدرج المهني، ما لم ترخص السلطة الحكومية المكلفة بالتكوين المهني صراحة بخلاف ذلك.
ب‌- أن يثبت استيفاء شروط الولوج المحددة بنص تنظيمي بالنسبة لكل حرفة أو تأهيل موضوع التدرج المهني.
الفقرة الثانية: البيانات الواجب تضمينها في عقد التدرج.
إذا كان المشرع المغربي في ظهير 16 أبرل 1940 لم يشترط في عقد التمرين شكلا خاصا، فإنه بالنسبة لقد التدرج المهني أوجب أن يتضمن بيانات حوي هوية المنعاقدين وسنهم وعنوانهم وميدان أو ميادين عمل مقاولة الاستقبال، وعدد العاملين والمستخدمين بالمقاولة.
وعدد المتدرجين بالمقاولة لمتابعة تكوينهم، والحرفة أو التأهيل اللذين سيتم إعداد المتدرج لهما، وكذالك مدة التدرج التي يجب ألا تتجاوز 3 سنوات والمدة التي يلتزم المتدرج، بعد إتمام تكوينه، للعمل لحساب صاحب المقاولة، وهو ما جاءت به المادة 13 من القانون 12.00.
ويعتبر كل عقد للتدرج الهني مقبولا من طرف مركز التكوين المهني إذا لم يشعر المتعاقدين برفضه داخل أجل أقصاه 30 يوما من تاريخ إيداعه وفق الأحكام الواردة في هذا القانون والنصوص الصادرة لتطبيقه. ويعفى عقد التدرج المهني من رسوم التسجيل (المادة 14).
هذا بالنسبة للشروط والبيانات الواجبة في عقد التدرج المهني. فماذا عن التزامات الأطراف؟
المطلب الثاني: التزامات أطراف عقد التدرج المهني.
يوجب قانون 12.00 مجموعة من الالتزامات، منها ما هو منوط بصاحب الماولة (الفقرة الأولى) وما يجب على المتدرج (الفقرة الثانية) وما يلتزم به مركز التكوين بالتدرج المهني (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى: التزامات صاحب المقاولة.
نصت المادة 9 من القانون 12.00 بأنه يجب على صاحب المقاولة أن ميسك سجلا خاصا بالمتدرجين مطابقا للنموذج الذي تحدده الإدارة. ويجب أن يتضمن هذا السجل تواريخ بداية ونهاية التدرج المهني بالنسبة لكل متدرج، كما يجب عليه أن يضع هذا السجل في متناول الهيئات المختصة المكلفة على الصعيد الوطني والجهوي والمحلي بتتبع أنشطة التدرج المهني.
يجب أن يسهر صاحب المقاولة على تكوين المتدرج بطريقة منهجية وتدريجية وأن لا يكلفه بأعمال تفوق طاقته أو يعهد إليه بما ليس له ارتباط بالحرفة أو التأهيل اللذين يتم تأهيله لهما. ويجب عليه أ يزود المتدرج مجانا بالأدوات ومواد العمل اللازمة لتدرجه داخل المقاولة، وأن يحرص على إخبار مركز التكوين بالتردج المهني وأب أو والي المتدرج في حالة تعرض هذا الأخير لحادث أو مرض أو في حالة تغيبه أو إتيانه بعمل أة سلوك يستدعي تدخلا من طرفهما.
كما يتوجب عليه أن يمنح المتدرج جميع التسهيلات التي تمكنه من متابعة تكوينه التكميلي العام التكنولوجي المنظم بمركز التكوين بالتدرج المهني ومن اجتياز تقويم التدرج، وأن يسمح بزيارات الاستطلاع والمراقبة التي تأمر بها الإدارة أو الهيئات المختصة، وأن لا يشغل المتدرج فوق الحصة الأسبوعية المحددة للتدرج المهني، كما أن عليه أن يصرف للمتدرج منحة شهرية يتم تحديدها باتفاق مع المتدرج أو مع والي أمره.
الفقرة الثانية: التزامات المتدرج.
قضت المادة 10 من القانون 12.00 بأنه على المتدرج أن ينجز الأشغال الموكولة إليه على أن لا يكلفه صاحب المقاولة بأعمال تفوق طاقته أو يعهد إليه بما ليس له ارتباط بالحرفة أو التأهيل اللذين يتم تهييؤه لهما.
كما يجب عليه أن يعتني بالأدوات الممنوحة له وأن يرجعها واحترام أوقات العمل وقواعده والمواظبة على الحضور سواء داخل المقاولة أو في فشاء التكوين المعد من طرف التكوين بالتدرج.
الفقرة الثالثة: التزامات مركز التكوين بالتدرج.
يجب على مركز التكوين بالتدرج أن يمنح للمتدرج به دفتر التدرج المهني المعد لتتبع مراحل التكوين داخل المقاولة. 
ويتعين عليه تحديد البرنامج الزمني والحصة الأسبوعية للتكوين وتواريخ الاختبارات وأمكنتها باتفاق مع صاحب المقاولة، كما أنه يجب على مراكز التكوين بالتدرج المهني تأمين المتدرجين خلال مدة تدرجهم بالمقاولة المستقبلة لهم عن حوادث الشغل (المادة 11).
هذا فيما يخص عقد التدرج، فماذا عن انتهاء هذا العقد؟

المراجع :
- مدونة الشغل.
- محمد الشرقاني، "علاقات الشغل بين تشريع الشغل ومدونة الشغل"، يناير 2003.
- محمد سعيد بناني، "قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل،علاقات الشغل الفردية"، الجزء الأول مكتبة دار السلام طبعة 2005.
- فاتح كمال، "عقود التكوين المهني في القانون المغربي"، مجلة القصر، عدد 9 شتنبر 2004.
- حمادة محمد أحمد، "الوسيط في علاقات الشغل الفردية"، طبعة 1993.
- عبد العزيز العتيقي، "قانون الشغل المغربي"، مكتبة دار المعارف الجامعية،طبعة 2005.
- السيد محمد السيد عمران، "شرح قانون العمل رقم 137 لسنة 1981 ومشروع القانون الجديد".
- رأفت محمد أحمد حماد، "آثار عقد التدريب المهني"، دار النهضة العربية، طبعة 1995.
- زهران محمود همام محمد، "قانون العمل،عقد الشغل الفردي"، طبعة 1998.
- سليم عام أنور،"قانون العمل"، طبعة  2002.






الاثنين، 17 ديسمبر 2012

عقد التدرج المهني في إطار قواعد الشغل (الجزء الأول)

 
يعتبر قانون الشغل من القوانين الأكثر أهمية وحساسية داخل المنظومات القانونية نظرا لكونه يضبط العلاقة القائمة بين الأجراء والمؤاجرين بتحديد حقوق والتزامات الطرفين، ليتمكن من خلق سلم اجتماعي الذي يعتبر ضروريا للاستقلال السياسي والتطور الاقتصادي.
هكذا جاءت مدونة الشغل بمجموعة من المستجدات خاصة فيما يتعلق بالفصل التأديبي، الأجر، حماية المرأة والحدث وكذا التمثيلية النقابية، وإن كانت مدونة الشغل لم تعط أهمية لكل من المتدرج في إطار عقد التدرج، حيث أن هذا الأخير منظم بتنظيم خاص، حيث كان منظما بظهير 16 أبريل 1940 المتعلق بالتكوين المهني حيث كان يعرف بعقد التمرين قبل أن يعمد المشرع إلى نسخ هذا الظهير بظهير 16 مايو 2000 بمثابة القانون 12.00 بشأن إحداث وتنظيم التدرج المهني. فما هو عقد التدرج المهني؟ ما طبيعته؟ ما هي شروط وشكليات قيام هذا العقد؟ ما هي التزامات أطرافه؟ وكيف ينتهي؟ سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة وفق التقسيم الآتي:
مبحث تمهيدي: مفهوم وطبيعة عقد التدرج وتمييزه عن العقود المشابهة.
عقد التدرج المهني هو العقد الذي كان يعرف بتسميات متعددة مثل: عقد التمرين، عقد التكوين.
المطلب الأول: مفهوم عقد التدرج المهني.
التدرج المهني كما حددته المادة الأولى من القانون 12.00 هو نمط من أنماط التكوين المهني.
الفقرة الأولى: مفهوم التدرج المهني.
باعتبار التدرج المهني نمط من أنماط التكوين المهني فإنه يهدف إلى اكتساب مهارات عملية عن طريق ممارسة نشاط مهني يسمح للمتدرجين بالحصول على تأهيل يسهل إدماجه في الحياة العملية، ويتضمن التدرج المهني حسب المادة 3 من القانون 12.00 تكوينا تطبيقيا يتم بالمقاولة بنسبة %80 على الأكثر من مدته الإجمالية ويتم بنسبة %10 على الأقل من هذه المدة الإجمالية بتكوين تكميلي عام تكنولوجي منظم في إطار اتفاقيات مبرمة من طرف الغرف والمنظمات المهنية أو مقاولات عمومية أو خاصة أو جمعيات محدثة طبق التشريع الجاري به العمل، وكذا في إطار اتفاقيات مبرمة مع الإدارة من طرف مؤسسات التكوين المهني التابعة للدولة أو المرخص لها من لدنها لها لهذا الغرض، وفي إطار اتفاقيات مبرمة مع الإدارة من طرف الهيآت العمومية التي تتولى التكوين التأهيلي. ويتضمن التكوين التأهيلي العام الجانب التربوي وأخلاقيات المهنة، وحسن الاستعمال اللغوي للمصطلحات السائدة، وتحدد بنص تنظيمي الحرف والتأهيلات موضوع التدرج المهني، وكذا الشهادات التي تثبت المؤهلات المحصل عليها والدبلومات التي يختتم بها التدرج وكذلك المدة الإجمالية للتكوين المرتبطة بها غير أنه لا ينبغي أن تتجاوز هذه المدة في أي حال من الأحوال 3 سنوات وهو ما جاءت به المادة 4 من القانون12.00.
الفقرة الثانية: طبيعة عقد التدرج المهني.
السؤال الذي يفرض نفسه علينا بإلحاح هو هل يعتبر عقد التدرج المهني عقد شغل؟ ذهب البعض إلى اعتباره عقد شغل على أساس وجود علاقة تبعية بين المتدرج والمشغل فضلا عن توفر عنصر أداء الأجر حتى ولو سمي منحة، بل هناك من الفقه من قال بأنه عقد من نوع خاص، أما غالبية الفقه فيرى بأن عقد التدرج المهني لا يرقى إلى مصاف عقد الشغل باعتبار الاختلافات العديدة بينهما:
· إن المتدرج لا يتلقى أجرا بالمعنى المعروف في علاقات الشغل بقدر ما يتقاضى مجرد منحة قد تقل عن الحد الأدنى للأجور.
· إن الالتزامات الملقاة على عاتق الطرفين صاحب المقاولة والمتدرج تندرج في إطار نظام التدرج، إن احتمال اشتغال المتدرج لحساب صاحب المقاولة في بعض الحالات يضل التزاما ثانويا فقط طالما يصل الالتزام الأصلي متمثلا في تلقين المهنة.
والمشرع المغربي بدوره ميز بين عقد التدرج وعق الشغل في معرض كلامه عن اختصاص المحاكم الابتدائية في القضايا الاجتماعية، حيث تطرقه إلى عقد التدرج المهني بجانب عقد الشغل ولم يجعل لهذا الأخير الصفة الشمولية. ويجعل بالتالي عقد التدرج مستقلا لأن أساس هذا العقد (الذي يهدف إلى تعلم المهنة) يختلف عن أساس عقد الشغل لأن هذا الأخير يسعى فيه المشغل إلى الإنتاج. وإذا كان عقد التدرج –كعقد تمهيد- يلتبس بفترة التجربة، إلا أن هذه الأخيرة تعتبر عقد شغل على سبيل التجربة وإن كان معلقا على شرط فاسخ، هذا فضلا عن أن تلك الفترة تحتسب كمدة عمل فعلي وتندرج ضمن أقدمية الأجير إذا انتقل من إطار ذلك العقد إلى عقد نهائي بات، في حين لا تندرج مدة التدرج  ضمن أقدمية الأجير إذا انتقل في عمله إلى عقد شغل لدى نفس المشغل.
وبدوره احتار الفقه المصري في اعتبار عقد التدرج عقد شغل، فانقسم الفقه  إلى اتجاهين: الاتجاه الأول ذهب إلى إخضاع عقد التمرين لقانون العمل الفردي حتى ولو لم يكن المتدرج يتقاضى أجرا نقديا لكنهم اختلفوا في تبرير هذا الرأي، ذهب البعض في إطار تأكيد رأيهم إلى القول بأن المتدرج يؤدي العمل لحساب صاحب العمل في مقابل التعلم ، أي يعمل تحت إشراف صاحب العمل وبالتالي توفر عنصر التبعية وتعلم العامل يعتبر أجرا عينيا. في حين ذهب البعض الآخر إلى تبرير رأيهم بالقول بأنه في الحالة التي يثبت فيها العامل المتدرج يقاضى ولو كان منخفضا على أساس أن العقد في هذه الحالة يتضمن الصفتين المميزتين لعقد الشغل الفردي وهما التبعية في أداء العمل واقتضاء الأجر. وذهب آخرون في تأكيد موقفهم إلى القول بأن المشرع لم يطلق اسم "عقد التمرين" على العامل المتمرن وإنما سماه بالعامل المتدرج وأطلق على العقد الذي ينضوي تحت اسم "عقد العامل المتدرج" بقصد اعتباره عقد عمل تسري عليه كل القواعد المقررة في شأن عقد العمل الفردي.
أما غالبية الفقه فيرون بأن عقد التمرين أو التدرج ليس عقد فردي، وبالتالي لا يخضع لقواعد عقد العمل، وإنما يخضع للتنظيم الخاص به في الفصل الأول من الباب الثاني من القانون رقم 138 لسنة 1981 ومن قبله قانون العمل الموحد 91 لسنة 1959، واستندوا في تبرير رأيهم إلى القول إلى تكييف عقد التمرين على أنه عقد عمل فردي يغفل الصفة التي يختلف فيها عقد التمرين عن عقد الشغل وهو موضوع العقدين فالغرض الرئيسي لعقد التمرين ليس هو أداء العمل لحساب صاحب العمل وإنما هو تعلم المهنة أو الحرفة مما يجعله عقد تعليم العمل وليس عقد عمل.
إذا كان المتدرج يعمل في نفس الوقت تحت إشراف صاحب العمل، إلا أن التزامه بالعمل ليس هو الالتزام الأصلي في العقد وإنما التزام تابع للالتزام الأصلي بالتعلم.
إضافة إلى أنه إذا كان صاحب العمل يلتزم في بعض الأحوال بإعطاء المتدرب لديه أجرا فإن هذا الالتزام يظل هو الآخر مجرد التزام ثانوي، لا يجب الالتزام الأصلي بالتعليم.
كما أن تسمية عقد التمرين بعقد عمل المتدرج لا تكفي للدلالة على أن المشرع يعتبر هذا العقد عقد عمل تسري عليه مقتضيات عقد العمل الفردي، لأن تخصيص فصل خاص بعقد التمرين مستقلا عن الفصل الخاص بعقد العمل الفردي واختلاف تسمية عقد التمرين عن عقد العمل دليلا على أن عقد التمرين ليس عقد عمل.
المطلب الثاني: تمييز عقد التدرج المهني عن العقود المشابهة.
يشكل كل من عقد التدرج المهني وعقد التدريب من أجل الإدماج المهني وعقد التمرين فروعا وأقساما لعقد عام هو التكوين المهني، لكن هذه العقود الفروع تختلف عن بعضها البعض، لذلك سنتطرق للتمييز بين عق التدرج المهني وعقد التدريب وللفرق بين كل من التدرج والتمرس المهني.
 الفقرة الأولى:عقد التدرج المهني وعقد التدريب من أجل الإدماج المهني.
عقد التدريب عقد من نوع خاص مستوحى من ظهير 23 مارس 1993 الذي يتعلق بالتدابير التشجيعية للمنشآت التي تقوم بتنظيم تدريب من أجل الإدماج المهني وهو مخصص لحملة شهادات التعليم العالي أو الحاصلين على شهادة الباكالوريا وسنتين دراسيتين إضافيتين، إنطلاقا من هذا التعريف يتضح لنا أن هناك مجموعة من نقاط الاختلاف بين العقدين لعل أهمها:
· من حيث التنظيم القانوني: فعقد التدريب منظم بمقتضيات ظهير 23 مارس 1993. أما عقد التدرج المهني فله تنظيم خاص به هو ظهير 19 مايو 2000 بمثابة القانون 12.00 بشأن إحداث وتنظيم التدرج المهني.
· من حيث الأهداف: إذا كان عقد التدرج يهدف إلى اكتساب مهارات عملية عن طريق ممارسة نشاط مهني يسمح للمتدرجين بالحصول على تأهيل يسهل اندماجهم في الحياة العملية. فإن عقد التدريب يرمي إلى تشجيع الشباب المؤهل علميا على الاندماج في سوق الشغل وإبراز طاقاته ومؤهلاته.
· من حيث السن والمؤهلات: يشترط في المتدرب أن يكون حاصلا على شهادة الباكالوريا وسنتين دراسيتين على الأقل وأن يكون مسجلا بالوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات باعتباره يبحث عن شغل لأول مرة منذ أكثر من سنة، وأن لا يتجاوز سن المتدرب 23 سنة كحد أقصى. أما المتدرج فلم يشترط فيه القانون 12.00 إلا أن يكون حاصلا على شهادة عليا ولا أن يكون مسجلا بالوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات، لم يحدد سن أقصى للمتدرج بل حدد السن لا يجب أن يقل عن هذا الأخير في حين لم يشترط القانون سن أدنى للمتدرب. أضف إلى ذلك أن المتدرب يحصل على منحة لا تقل عن 1600 درهما. أما المتدرج فلا يحصل إلا على منحة قد تقل عن الحد الأدنى للأجور.
الفقرة الثانية: عقد التدرج المهني وعقد التمرس المهني.

        حسب ظهير 23 يونيو 1996 الصادر لتنفيذ القانون 36.96 المتعلق بإحداث وتنظيم التمرس المهني، فعقد التمرس المهني هو نمط من أنماط التكوين المهني الأساسي ويرمي حسب المادة الثانية إلى تلقين المتمرسين معارف عامة ومهنية وتكنولوجية لمؤسسات التكوين المهني التابعة للدولة أو المقبولة من طرفها. وإذا كان عقد التمرس يتشابه مع عقد التدرج من حيث سن الشخص الذي لا ينبغي أن يقل عن 15 سنة، فإنه يختلف عنه في كون التمرس لا يمكن أن تتجاوز مدته 3 أشهر طبقا للمادة 3 وأن يشار وجوبا عند انتهاء التمرس المهني إلى أن التكوين تم في إطار التمرس المهني وفقا لمقتضيات هذا القانون.
المراجع :
-مدونة الشغل.
-محمد الشرقاني، "علاقات الشغل بين تشريع الشغل ومدونة الشغل"، يناير 2003.
-محمد سعيد بناني، "قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل،علاقات الشغل الفردية"، الجزء الأول مكتبة دار السلام طبعة 2005.
-فاتح كمال، "عقود التكوين المهني في القانون المغربي"، مجلة القصر، عدد 9 شتنبر 2004. 
-حمادة محمد أحمد، "الوسيط في علاقات الشغل الفردية"، طبعة 1993.
-عبد العزيز العتيقي، "قانون الشغل المغربي"، مكتبة دار المعارف الجامعية،طبعة 2005.
-السيد محمد السيد عمران، "شرح قانون العمل رقم 137 لسنة 1981 ومشروع القانون الجديد".
-رأفت محمد أحمد حماد، "آثار عقد التدريب المهني"، دار النهضة العربية، طبعة 1995.
-زهران محمود همام محمد، "قانون العمل،عقد الشغل الفردي"، طبعة 1998.
-سليم عام أنور،"قانون العمل"، طبعة 2002.