الاثنين، 17 ديسمبر 2012

عقد التدرج المهني في إطار قواعد الشغل (الجزء الأول)

 
يعتبر قانون الشغل من القوانين الأكثر أهمية وحساسية داخل المنظومات القانونية نظرا لكونه يضبط العلاقة القائمة بين الأجراء والمؤاجرين بتحديد حقوق والتزامات الطرفين، ليتمكن من خلق سلم اجتماعي الذي يعتبر ضروريا للاستقلال السياسي والتطور الاقتصادي.
هكذا جاءت مدونة الشغل بمجموعة من المستجدات خاصة فيما يتعلق بالفصل التأديبي، الأجر، حماية المرأة والحدث وكذا التمثيلية النقابية، وإن كانت مدونة الشغل لم تعط أهمية لكل من المتدرج في إطار عقد التدرج، حيث أن هذا الأخير منظم بتنظيم خاص، حيث كان منظما بظهير 16 أبريل 1940 المتعلق بالتكوين المهني حيث كان يعرف بعقد التمرين قبل أن يعمد المشرع إلى نسخ هذا الظهير بظهير 16 مايو 2000 بمثابة القانون 12.00 بشأن إحداث وتنظيم التدرج المهني. فما هو عقد التدرج المهني؟ ما طبيعته؟ ما هي شروط وشكليات قيام هذا العقد؟ ما هي التزامات أطرافه؟ وكيف ينتهي؟ سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة وفق التقسيم الآتي:
مبحث تمهيدي: مفهوم وطبيعة عقد التدرج وتمييزه عن العقود المشابهة.
عقد التدرج المهني هو العقد الذي كان يعرف بتسميات متعددة مثل: عقد التمرين، عقد التكوين.
المطلب الأول: مفهوم عقد التدرج المهني.
التدرج المهني كما حددته المادة الأولى من القانون 12.00 هو نمط من أنماط التكوين المهني.
الفقرة الأولى: مفهوم التدرج المهني.
باعتبار التدرج المهني نمط من أنماط التكوين المهني فإنه يهدف إلى اكتساب مهارات عملية عن طريق ممارسة نشاط مهني يسمح للمتدرجين بالحصول على تأهيل يسهل إدماجه في الحياة العملية، ويتضمن التدرج المهني حسب المادة 3 من القانون 12.00 تكوينا تطبيقيا يتم بالمقاولة بنسبة %80 على الأكثر من مدته الإجمالية ويتم بنسبة %10 على الأقل من هذه المدة الإجمالية بتكوين تكميلي عام تكنولوجي منظم في إطار اتفاقيات مبرمة من طرف الغرف والمنظمات المهنية أو مقاولات عمومية أو خاصة أو جمعيات محدثة طبق التشريع الجاري به العمل، وكذا في إطار اتفاقيات مبرمة مع الإدارة من طرف مؤسسات التكوين المهني التابعة للدولة أو المرخص لها من لدنها لها لهذا الغرض، وفي إطار اتفاقيات مبرمة مع الإدارة من طرف الهيآت العمومية التي تتولى التكوين التأهيلي. ويتضمن التكوين التأهيلي العام الجانب التربوي وأخلاقيات المهنة، وحسن الاستعمال اللغوي للمصطلحات السائدة، وتحدد بنص تنظيمي الحرف والتأهيلات موضوع التدرج المهني، وكذا الشهادات التي تثبت المؤهلات المحصل عليها والدبلومات التي يختتم بها التدرج وكذلك المدة الإجمالية للتكوين المرتبطة بها غير أنه لا ينبغي أن تتجاوز هذه المدة في أي حال من الأحوال 3 سنوات وهو ما جاءت به المادة 4 من القانون12.00.
الفقرة الثانية: طبيعة عقد التدرج المهني.
السؤال الذي يفرض نفسه علينا بإلحاح هو هل يعتبر عقد التدرج المهني عقد شغل؟ ذهب البعض إلى اعتباره عقد شغل على أساس وجود علاقة تبعية بين المتدرج والمشغل فضلا عن توفر عنصر أداء الأجر حتى ولو سمي منحة، بل هناك من الفقه من قال بأنه عقد من نوع خاص، أما غالبية الفقه فيرى بأن عقد التدرج المهني لا يرقى إلى مصاف عقد الشغل باعتبار الاختلافات العديدة بينهما:
· إن المتدرج لا يتلقى أجرا بالمعنى المعروف في علاقات الشغل بقدر ما يتقاضى مجرد منحة قد تقل عن الحد الأدنى للأجور.
· إن الالتزامات الملقاة على عاتق الطرفين صاحب المقاولة والمتدرج تندرج في إطار نظام التدرج، إن احتمال اشتغال المتدرج لحساب صاحب المقاولة في بعض الحالات يضل التزاما ثانويا فقط طالما يصل الالتزام الأصلي متمثلا في تلقين المهنة.
والمشرع المغربي بدوره ميز بين عقد التدرج وعق الشغل في معرض كلامه عن اختصاص المحاكم الابتدائية في القضايا الاجتماعية، حيث تطرقه إلى عقد التدرج المهني بجانب عقد الشغل ولم يجعل لهذا الأخير الصفة الشمولية. ويجعل بالتالي عقد التدرج مستقلا لأن أساس هذا العقد (الذي يهدف إلى تعلم المهنة) يختلف عن أساس عقد الشغل لأن هذا الأخير يسعى فيه المشغل إلى الإنتاج. وإذا كان عقد التدرج –كعقد تمهيد- يلتبس بفترة التجربة، إلا أن هذه الأخيرة تعتبر عقد شغل على سبيل التجربة وإن كان معلقا على شرط فاسخ، هذا فضلا عن أن تلك الفترة تحتسب كمدة عمل فعلي وتندرج ضمن أقدمية الأجير إذا انتقل من إطار ذلك العقد إلى عقد نهائي بات، في حين لا تندرج مدة التدرج  ضمن أقدمية الأجير إذا انتقل في عمله إلى عقد شغل لدى نفس المشغل.
وبدوره احتار الفقه المصري في اعتبار عقد التدرج عقد شغل، فانقسم الفقه  إلى اتجاهين: الاتجاه الأول ذهب إلى إخضاع عقد التمرين لقانون العمل الفردي حتى ولو لم يكن المتدرج يتقاضى أجرا نقديا لكنهم اختلفوا في تبرير هذا الرأي، ذهب البعض في إطار تأكيد رأيهم إلى القول بأن المتدرج يؤدي العمل لحساب صاحب العمل في مقابل التعلم ، أي يعمل تحت إشراف صاحب العمل وبالتالي توفر عنصر التبعية وتعلم العامل يعتبر أجرا عينيا. في حين ذهب البعض الآخر إلى تبرير رأيهم بالقول بأنه في الحالة التي يثبت فيها العامل المتدرج يقاضى ولو كان منخفضا على أساس أن العقد في هذه الحالة يتضمن الصفتين المميزتين لعقد الشغل الفردي وهما التبعية في أداء العمل واقتضاء الأجر. وذهب آخرون في تأكيد موقفهم إلى القول بأن المشرع لم يطلق اسم "عقد التمرين" على العامل المتمرن وإنما سماه بالعامل المتدرج وأطلق على العقد الذي ينضوي تحت اسم "عقد العامل المتدرج" بقصد اعتباره عقد عمل تسري عليه كل القواعد المقررة في شأن عقد العمل الفردي.
أما غالبية الفقه فيرون بأن عقد التمرين أو التدرج ليس عقد فردي، وبالتالي لا يخضع لقواعد عقد العمل، وإنما يخضع للتنظيم الخاص به في الفصل الأول من الباب الثاني من القانون رقم 138 لسنة 1981 ومن قبله قانون العمل الموحد 91 لسنة 1959، واستندوا في تبرير رأيهم إلى القول إلى تكييف عقد التمرين على أنه عقد عمل فردي يغفل الصفة التي يختلف فيها عقد التمرين عن عقد الشغل وهو موضوع العقدين فالغرض الرئيسي لعقد التمرين ليس هو أداء العمل لحساب صاحب العمل وإنما هو تعلم المهنة أو الحرفة مما يجعله عقد تعليم العمل وليس عقد عمل.
إذا كان المتدرج يعمل في نفس الوقت تحت إشراف صاحب العمل، إلا أن التزامه بالعمل ليس هو الالتزام الأصلي في العقد وإنما التزام تابع للالتزام الأصلي بالتعلم.
إضافة إلى أنه إذا كان صاحب العمل يلتزم في بعض الأحوال بإعطاء المتدرب لديه أجرا فإن هذا الالتزام يظل هو الآخر مجرد التزام ثانوي، لا يجب الالتزام الأصلي بالتعليم.
كما أن تسمية عقد التمرين بعقد عمل المتدرج لا تكفي للدلالة على أن المشرع يعتبر هذا العقد عقد عمل تسري عليه مقتضيات عقد العمل الفردي، لأن تخصيص فصل خاص بعقد التمرين مستقلا عن الفصل الخاص بعقد العمل الفردي واختلاف تسمية عقد التمرين عن عقد العمل دليلا على أن عقد التمرين ليس عقد عمل.
المطلب الثاني: تمييز عقد التدرج المهني عن العقود المشابهة.
يشكل كل من عقد التدرج المهني وعقد التدريب من أجل الإدماج المهني وعقد التمرين فروعا وأقساما لعقد عام هو التكوين المهني، لكن هذه العقود الفروع تختلف عن بعضها البعض، لذلك سنتطرق للتمييز بين عق التدرج المهني وعقد التدريب وللفرق بين كل من التدرج والتمرس المهني.
 الفقرة الأولى:عقد التدرج المهني وعقد التدريب من أجل الإدماج المهني.
عقد التدريب عقد من نوع خاص مستوحى من ظهير 23 مارس 1993 الذي يتعلق بالتدابير التشجيعية للمنشآت التي تقوم بتنظيم تدريب من أجل الإدماج المهني وهو مخصص لحملة شهادات التعليم العالي أو الحاصلين على شهادة الباكالوريا وسنتين دراسيتين إضافيتين، إنطلاقا من هذا التعريف يتضح لنا أن هناك مجموعة من نقاط الاختلاف بين العقدين لعل أهمها:
· من حيث التنظيم القانوني: فعقد التدريب منظم بمقتضيات ظهير 23 مارس 1993. أما عقد التدرج المهني فله تنظيم خاص به هو ظهير 19 مايو 2000 بمثابة القانون 12.00 بشأن إحداث وتنظيم التدرج المهني.
· من حيث الأهداف: إذا كان عقد التدرج يهدف إلى اكتساب مهارات عملية عن طريق ممارسة نشاط مهني يسمح للمتدرجين بالحصول على تأهيل يسهل اندماجهم في الحياة العملية. فإن عقد التدريب يرمي إلى تشجيع الشباب المؤهل علميا على الاندماج في سوق الشغل وإبراز طاقاته ومؤهلاته.
· من حيث السن والمؤهلات: يشترط في المتدرب أن يكون حاصلا على شهادة الباكالوريا وسنتين دراسيتين على الأقل وأن يكون مسجلا بالوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات باعتباره يبحث عن شغل لأول مرة منذ أكثر من سنة، وأن لا يتجاوز سن المتدرب 23 سنة كحد أقصى. أما المتدرج فلم يشترط فيه القانون 12.00 إلا أن يكون حاصلا على شهادة عليا ولا أن يكون مسجلا بالوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات، لم يحدد سن أقصى للمتدرج بل حدد السن لا يجب أن يقل عن هذا الأخير في حين لم يشترط القانون سن أدنى للمتدرب. أضف إلى ذلك أن المتدرب يحصل على منحة لا تقل عن 1600 درهما. أما المتدرج فلا يحصل إلا على منحة قد تقل عن الحد الأدنى للأجور.
الفقرة الثانية: عقد التدرج المهني وعقد التمرس المهني.

        حسب ظهير 23 يونيو 1996 الصادر لتنفيذ القانون 36.96 المتعلق بإحداث وتنظيم التمرس المهني، فعقد التمرس المهني هو نمط من أنماط التكوين المهني الأساسي ويرمي حسب المادة الثانية إلى تلقين المتمرسين معارف عامة ومهنية وتكنولوجية لمؤسسات التكوين المهني التابعة للدولة أو المقبولة من طرفها. وإذا كان عقد التمرس يتشابه مع عقد التدرج من حيث سن الشخص الذي لا ينبغي أن يقل عن 15 سنة، فإنه يختلف عنه في كون التمرس لا يمكن أن تتجاوز مدته 3 أشهر طبقا للمادة 3 وأن يشار وجوبا عند انتهاء التمرس المهني إلى أن التكوين تم في إطار التمرس المهني وفقا لمقتضيات هذا القانون.
المراجع :
-مدونة الشغل.
-محمد الشرقاني، "علاقات الشغل بين تشريع الشغل ومدونة الشغل"، يناير 2003.
-محمد سعيد بناني، "قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل،علاقات الشغل الفردية"، الجزء الأول مكتبة دار السلام طبعة 2005.
-فاتح كمال، "عقود التكوين المهني في القانون المغربي"، مجلة القصر، عدد 9 شتنبر 2004. 
-حمادة محمد أحمد، "الوسيط في علاقات الشغل الفردية"، طبعة 1993.
-عبد العزيز العتيقي، "قانون الشغل المغربي"، مكتبة دار المعارف الجامعية،طبعة 2005.
-السيد محمد السيد عمران، "شرح قانون العمل رقم 137 لسنة 1981 ومشروع القانون الجديد".
-رأفت محمد أحمد حماد، "آثار عقد التدريب المهني"، دار النهضة العربية، طبعة 1995.
-زهران محمود همام محمد، "قانون العمل،عقد الشغل الفردي"، طبعة 1998.
-سليم عام أنور،"قانون العمل"، طبعة 2002.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق