الأحد، 23 ديسمبر 2012

قانون المسطرة الجنائية وحالات التلبس

يقصد بالتلبس لغويا ما ظهر للعيان بجلاء ووضوح، غير أن التشريعات الجنائية لا تقف عادة عند المدلول اللغوي الدقيق للتلبس، وهو ما يترتب عنه بقوة النصوص القانونية اعتبار حالات بمثابة تلبس وغم كونها ليست كذلك. والمشرع المغربي كرس حالات التلبس في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية. رغم كون بعض هذه الحالات بعيدة عن أن تكون حالة تلبس بمفهومها الدقيق، وهكذا تتحقق حالة التلبس في الجنائية والجنحة طبقا للمادة 56 من قانون المسطرة الجنائية في الحالات الآتية:
أولا: حالات التلبس الحقيقي:
أ‌) حالة ضبط المتهم بارتكاب الجريمة: مثل ضبط المتهمين بقاعة النوم مجردين من ثيابهما على الساعة 12 ليلا. فالتلبس الحقيقي يقتضي بالضرورة مشاهدة المتهم منهمك في ارتكاب الفعل المادي للجريمة وهو ما يتطلب بالضرورة نوعا من الامتداد الزمني ولو نسبيا للفعل الإجرامي لإمكانية معاينته وهو ما يترتب عنه التمييز بين صنفين من الجرائم: الجرائم الآنية: والتي يتم إنجازها في زمن قصير لا يسمح بمعاينة الفعل الإجرامي لعدم امتداده في الزمن وهكذا فهي جرائم تتحول بسرعة فائقة من جرائم في حالة إنجازها إلى جرائم ارتكبت بالفعل وتم إنجازها وإتمام ركنها المادي. وبالتالي فإن هذا النوع من الجرائم من الصعب إن لم يكن ذلك مستحيلا معاينة إنجاز ركنها المادي. وهناك الجرائم المستمرة: يمتد إنجاز ركنها المادي واستغراقه زمنا طويلا نسبيا، مما يسمح لضابط الشرطة القضائية معاينة إنجازه كجرائم إخفاء المسروقات، الخيانة الزوجية...، ولا يمكن إثبات حالة التلبس في مثل هذه الجرائم إلا بناء على محضر يحرره ضابط الشرطة القضائية في كل حالات التلبس الحقيقي.
ب‌)  ضبط الفاعل على إثر إنجازه: تتمثل هذه الحالة في ضبط الفاعل بعد الانتهاء من تنفيذ ماديات الجريمة، وبالتالي لا يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يعاين إنجاز الفعل وإلا كنا إزاء الحالة الأولى. إن مرتكب الفعل المادي يتم ضبطه بعد مرور فترة زمنية أي بعد إنجازه، وقد اعتبر الفقه وهو محق أن قيام المشرع باستعمال تعبير (على إثر إنجازه) يمنع اعتبار مرور فاصل زمني بين إنجاز الفعل وبين اكتشافه وإن القصد من  ذلك حصول هذا الاكتشاف في اللحظة التي يكون الجاني يقوم بآخر عمل نهائي يندرج ضمن ماديات الجريمة.
ثانيا: حالات التلبس الافتراضي:
أ‌)  مطاردة المشبوه فيه من طرف الجمهور: تنطوي هذه الحالة على مخاطر كبيرة، اعتبارا لعدم وجود تلازم منطقي ومؤكد بين أن يعتبر من يطارد بصياح الجمهور هو بالفعل من ارتكب الجريمة. حتى ولو سلمنا جدلا بأنه في بعض الوضعيات يكون بالفعل المتهم هو من يطارد من طرف الجمهور، فإنه لا يتعين علينا اعتبار كل من وجد في هذه الوضعية هو بالفعل مرتكب الجريمة، وهكذا سيتم اعتبار عامل ملاحقة الشخص من طرف الجمهور دليل إدانة وهو ما اعتبره بعض الباحثين المغاربة، انتقال من تلبس قانوني إلى تلبيس التهمة لشخص بسبب قدره ساقه لمكان ما وأن سبب خوف اعتراه أطلق ساقه للريح، واعتقد بعض الناس هو من ارتكب الجريمة.
ب‌) ضبط المتهم حاملا أسلحة أو عليه أثار بعد مرور زمن قصير على ارتكاب الفعل: في هذه الحالة لا يكون فيها أدنى ارتباط بين زمن ارتكاب الفعل المادي وبين واقعة ضبط المتهم، والمشرع لم يقم بتحديد المقصود بالزمن القصير وفي ظل غياب معيار متفق عليه من قبل الجميع، فإن الفقه المغربي تعامل بنوع من التضييق والتشديد لتحديد مفهوم الزمن القصير واعتبر أنه لابد وأن لا يتجاوز على أبعد تقدير بضعة ساعات وطبقا للنص لابد وأن تضبط بحوزة الفاعل أدوات وأشياء يستدل منها استعملت في ارتكاب الجريمة لاعتباره في حالة تلبس.
ت‌) التماس مالك المنزل من النيابة العامة أو ضابط الشرطة معاينة الجريمة المرتكبة بداخله: بكل وضوح لا علاقة لهذه الحالة بمفهوم التلبس، وهو ما عرض هذه الحالة للانتقاد فما معنى في إطار هذه الحالة أن يجد صاحب المنزل أنه تعرض لسرقة بعد عودته من سفر طويل مثلا ثم يتقدم للنيابة العامة أو الشرطة القضائية، وذلك من أجل القيام بالتحريات الضرورية حول جريمة السرقة ويكون في هذه الحالة إزاء حالة تلبس طبقا للمادة 56  من قانون المسطرة الجنائية. ولإمكانية القول بتحقق حالة التلبس في هذه الحالة لابد من توفر شرطين:   
- حدوث الجريمة التي يتعين إجراء التحريات بصددها داخل المنزل سواء كان مسكونا أو كان فقط معدا لذلك.                                  
-أن يلتمس صاحب المنزل من النيابة العامة أو ضابط الشرطة القضائية معاينة الجريمة وآثارها ولا يهم أن يتم تقديم الالتماس من مالك أو الشخص الذي يسكن المنزل كالمكتري مثلا.

المراجع:
- محمد أحداف، شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد، الجزء الاول، الطبعة الثانية 2005.
- قانون المسطرة الجنائية المغربي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق