الاثنين، 28 يناير 2013

قناعة القاضي الجنائي بوسائل الإثبات الحديثة (الجزء الأول)


إن فكرة الإثبات قديمة قدم المعاملات الإنسانية، اهتدى إليها الإنسان منذ القدم، نظرا لما يترتب عن هذه المعاملات من نزاعات وخلافات، الشيء الذي حكم إيجاد طرق تعمل على إيقاف هذه المنازعات والوصول إلى الحقيقة، وذلك من خلال صياغة وسائل وقواعد الإثبات، التي تهدف إلى كشف الحقيقة وإرجاع الأمور إلى نصابها. فللإثبات في المادة الجنائية أهمية بالغة، ذلك أنه ومن خلال الأدلة التي تتوفر في الدعوى تتحصل القناعة لدى المحكمة، فتصدر حكما بناء على ما اقتنعت به في موضوع الدعوى انطلاقا من مبدأ حرية القاضي في الإثبات والاقتناع. في إطار الشرعية القانونية، وحيث أن التطور العلمي هو حتمية طبيعية، ذلك أن هذا النوع من العلم وهو العلم الحسي فضلا عن كونه متغيرا بطبيعته بل هو أسرع أحداث المنجزات البشرية تغيرا، فهو أيضا من حيث مصدره كثمرة لنشاط الفكر الإنساني، يتأتى من خلال الاتساع التدريجي لنطاق المعارف النظرية، ثم انتقال حصيلة هذه المستجدات المعرفية إلى التطبيق الفعلي في الحياة المعرفية فتتأثر بذلك مختلف جوانبها، وينعكس ذلك الأثر ضمن ما ينعكس أداء الفكر الإنساني فيؤدي إلى تحسين القدرة على اكتساب المعارف وتوسيع نطاقها. ولما كان من الصعب فصل المجرم عن هذا التطور، كان على المشرع ضرورة ابتكار وسائل إثبات حديثة لمسايرة هذا الركب، الأمر الذي تأتى عن طريق ابتكار وسائل إثبات حديثة وفق ضوابط علمية للاستدلال على المتهم وكشف أغوار الجريمة وإدانة المجرمين في إطار الشرعية القانونية.
وتأسيسا على ما تقدم، سنحاول التطرق لمختلف النقاط المذكورة من خلال التصميم التالي:

المبحث الأول:
المطلب الأول: ماهية الإثبات الجنائي والمبدأ الذي يحكمه.
أولا: ماهية الإثبات.
        1- مفهوم الإثبات الجنائي:
لقد خص المشرع المغربي الفرع الأول من الجزء الثالث في بابه الأول من قانون المسطرة الجنائية للإثبات، حيث أشار إلى الإمكانية المتاحة للمحكمة في الاستناد إلى أي وسيلة للإثبات ما لم يقض القانون بخلاف ذلك، هذا الإثبات الذي تضمنته عشرة فصول، لكنه يقدم تعريفا صحيحا وواضحا يذكر لهذه الوسيلة. وذلك لأن المتهم في الحقل الجنائي يقوم بأفعال مخالفة للقانون، لذلك يعمل على إخفائها عن الأعين، الشيء الذي جعل المشرع يتوسع في إثبات الأفعال المخالفة للقانون وأجاز إثباتها بجميع وسائل الإثبات.
        2- طرق الإثبات:
أ‌-       الطريقة القانونية:
وهي الطريقة التي رسمها القانون وحددها والتزم القاضي باتباعها، ويعرض حكمه للنقض كلما خالفها، ويمكن أن نسمي هذه الطريقة بالطريقة الموضوعية، وهي بالحقل المدني أليق منها بالحقل الجنائي، وقد ظهرت هذه الطريقة لتحد من غلو النظرية الثانية التي تعتمد بالدرجة الأولى على قناعة القاضي الوجدانية، وقد أخذت الشريعة الإسلامية بهذه الطريقة في إثبات جرائم الحدود فألزمت القاضي بأن يدين المتهم كلما أثبت خصمه بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو أربعة شهود في جرائم القذف، وهذه الطريقة تجعل القاضي يصدر أحكاما ولو كان غير مقتنع بها.
         ب- الطريقة الوجدانية:
وهي التي تعتمد بالدرجة الأولى على قناعة القاضي في كون المتهم ارتكب الفعل المنسوب إليه أم لا، ويستطيع أن يبعد شهادة الشهود، وحتى اعتراف المتهم متى تبين له من خلال الوقائع والأحداث عدم صحتها، وهذه الطريقة هي أولى الطريقتين، ظهرت في العالم القانوني ثم اختفت بعض الشيء أمام ظهور الطريقة القانونية. وفي مطلع العصر الحديث، بدأت في الظهور، وقد أخذت بها معظم الشرائع الحديثة ومن جملتها التشريع المغربي الذي نص في الفصل 288 من قانون المسطرة الجنائية، على أنه "يمكن إثبات الجرائم بأي وسيلة من وسائل الإثبات ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اعتقاده الصميم".
فإذا رأى أن الإثبات غير قائم، قرر عدم إدانة الشخص المتهم وحكم ببراءته، إلا أنه لا ينبغي أن يفهم من هذا النص أو من طريقة الإثبات الوجداني، أن القاضي الجنائي في تكوين قناعته كيفما شاء بطريقة اعتباطية وإلا لأصبح يدين من يشاء، وإنما يجب عليه أن يكون قناعته في الأدلة والحجج والمناقشات التي راجت أمامه، ويعلل تكوين هذه القناعة، الطريقة التي سلكها في تكوينها.
وقد نص الفصل 289 من قانون المسطرة الجنائية، على أنه "لا يمكن للقاضي أن يبين مقرره إلا على حجج عرضت إثناء الإجراءات، ونوقشت شفهيا وحضوريا أمامه" والفصل 290 من نفس القانون ينص على أنه إذا كان إثبات الجريمة متوقفا على حجة جارية عليها أحكام القانون المدني، فيراعي القاضي في ذلك قواعد القانون المذكور.
ثانيا: مبدأ حرية الإثبات:
إذا كانت حرية الإثبات إحدى خصائص نظرية الإثبات في المسائل الجنائية، فما المقصود بحرية الإثبات، وما القيود الواردة عليه.
1- مضمون حرية الإثبات:
على خلاف نظام الإثبات في المادة المدنية والذي يعتبر مقيدا، نجد أن نظام الإثبات الجنائي يتمتع بخاصية مميزة وهي حرية الإثبات، والتي تعني أن الجرائم يجوز إثباتها بكافة الطرق القانونية. فالفصل الجنائي يجوز إثباته بشهادة الشهود والاعتراف والمعاينة... إلخ.
ما لم يقيده القانون بدليل معين ينص عليه، وهو مبدأ يستفيد منه كافة أطراف الدعوى الجنائية: المتهم، النيابة العامة، القاضي.
ونظرا لعبء الإثبات الذي تتحمله سلطة الاتهام في مواجهة مبدأ البراءة المقرر لفائدة المهتم، فإن مبدأ حرية الإثبات جاء ليخفف من ذلك المبدأ.
وإذا كان صحيحا أن الإثبات في الميدان الجنائي لم يعد يعرف فكرة الدليل القانوني، بحيث صارت كل الطرق في الإثبات جائزة أمام القاضي الجنائي عملا بمبدأ حرية الإثبات، فإن هذا المبدأ يرجع تبريره إلى أسباب:
*أولها: أن الإثبات في الميدان الجنائي يتعلق بوقائع مادية ومعنوية، وليس متعلق بإثبات تصرفات قانونية كما هو عليه الأمر في المواد المدنية، لذلك كان لأطراف الدعوى الجنائية إثبات الوقائع بكافة الوسائل أو نفيها بكافة الوسائل.
*ثانيا: إن النيابة العامة والقاضي الجنائي، لهما حق اللجوء إلى كافة وسائل الإثبات أمام حرص المجرمين على إخفاء جرائمهم وإحاطتها بالسرية حتى لا تنكشف بحيث يعملون على إخفاء معالمها.
*ثالثا: نجد أن المشرع أراد تحقيق التوازن بين مصلحة المواطن وحماية الحرية وبين مصلحة المجتمع في اكتشاف الحقيقة ومحاربة الجريمة فنص على مبدأ حرية القاضي في قبول الدليل مقابل افتراض البراءة في المتهم وتحميل النيابة العامة عبء الإثبات فاعتنقت بذلك هذا المبدأ.
وإذا كان الإثبات في الميدان الجنائي على خلاف الميدان المدني حرا، بمعنى أن كل الوسائل التي يعرفها القانون، يمكن الاستدلال بها أمام القضاء الجنائي، والذي لا يجوز له أن يرفض ما لم يقضي القانون بذلك لأحد الأطراف تقديم أي دليل يراه منتجا في إقناع المحكمة بوجهة نظره، فإن هذا المبدأ يعرف بعض الاستثناءات.
2- الاستثناءات الواردة على مبدأ حرية الإثبات:
إذا كان مبدأ حرية الإثبات في الميدان الجنائي يستند على كون محل الإثبات ينصب على وقائع مادية غير القانونية التي تستلزم نوعا معينا من الأدلة، فإن هذه الحرية تتعطل في الحالات التي ينص فيها المشرع على ذلك، ومن أمثلة هذه الاستثناءات أن المشرع رفض الاستماع لشهادة المدافع عن المتهم حول ما عمله بهذه الصفة. فالمادة 334 من قانون المسطرة الجنائية ينص على أنه لا يمكن سماع شهادة محامي المتهم حول ما عمله بهذه الصفة....
كما منع أيضا الرجوع إلى وثائق التحقيق التي أبطلت قصد توجيه اتهامات إلى المترافعين، وإلا خضع القضاة والمحامون الذين يرجعون إليها لعقوبات تأديبية (المادة 213 منى ق.م.ج)، كما قيد المشرع القاضي بأدلة معينة في إدانة المتهم بجريمة الفساد أو الخيانة الزوجية، فالإدانة يجب أن تقوم بناء على الشهود مثلا أو اعتراف غير قضائي أو قرائن أو خبرة وإن اقتنع شخصيا بثبوت الجريمة.
كما نص على استبعاد بعض وسائل الإثبات، كاستبعاد الحجة الكتابية الناشئة بين المتهم والمحامي الذي يؤازره لما في ذلك من إخلال بحقوق الدفاع (المادة 294 ق.م.ج).

تمهيد: 
لقد تطورت وتعددت الأساليب والوسائل العلمية التي بات يلجأ إليها في مجال البحث في الدليل الجنائي، وذلك نتيجة لتطور فكر المجرم والذي بات يعمل، وقبل إقدامه على نشاطه الإجرامي، على التفكير في أسلوب لا يترك آثارا مادية تدل عليه.
لذلك حاولت أجهزة البحث والتحقيق، الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة في الإثبات الجنائي، علها تفك الخيوط المتشابكة للواقعة الإجرامية.
وتتمثل هذه الوسائل الحديثة في تحليل ADN والتشريح الطبي، والبصمات، والأعيرة النارية، التقاط المكالمات، التصوير، جهاز كشف الكذب، غسيل المعدة، العقاقير المخدرة، ولتقريب الطالب من كيفية عمل هذه الوسائل، سنتطرق للحديث عن بعضها من خلال هذا.
المطلب الثاني: أنواع وسائل الإثبات الحديثة.
*أولا: تحليل ADN (الحمض النووي):
مادة ADN هي واحدة في كل خلية وسائل ونسيج في جسم الفرد، ولا يمكن تغييره بواسطة أي علاج معروف، وعليه، فإن هذه المادة أصبحت رائدة في الاستعراف والتمييز بين أبناء الجسم البشري.
وقد أحدثت هذه المادة ثورة في العلوم الجنائية، حيث لم يعد من الصعب إثبات أبوة فلان لطفل بما لا يقبل الجدل أو الشك.
كما يمكن تحديد هوية الجاني من خلال عقب سيجارة (تحليل آثار اللعاب عليه) أو حتى من خلال شعرة واحدة يعثر عليها في مسرح الجريمة.
وعلى مستوى التحقيقات الجنائية، فقد تمكنت دوائر المكتب الفدرالي للتحقيقات ومختبرات الشرطة الأمريكية من كشف العديد من الجرائم بواسطة هذه البصمة ADN.
من خلال قطع الملابس المبللة بالدم أو الملطخة بالسائل المنوي أو من خلال شعر الضحية والجاني.
ولم تعرف البصمة الوراثية حتى عام 1984 حينما نشر "د.أليك جيفريز"، عالم الوراثة بجامعة لندن بحثا أوضح فيه أن هذه المادة الوراثية قد تتكرر عدة مرات وتعيد نفسها في تشابهات عشوائية غير مفهومة، وواصل أبحاثه وتوصل بعد عام واحد إلى أن هذه التشابهات مميزة لكل فرد، ولا يمكن أن تتشابه بين الأفراد إلا في حالة التوائم المماثلة فقط، بل إن احتمال تشابه بصمتين وراثيتين بين شخص وآخر هو واحد في الترليون، مما يجعل التشابه مستحيلا وسجل "د.أليك" براعة اكتشافه عما 1985 وأطلق على هذه التشابهات اسم البصمة الوراثية للإنسان the ADN. وقد أحدثت أبحاثه قفزة هائلة في مجال الطب الشرعي، حيث ثم التعرف على الجثث المشوهة وتتبع الأطفال المفقودين وأخرجت المحاكم البريطانية ملفات الجرائم التي قيدت ضد مجهول، وفتحت التحقيقات فيها من جديد، وبرأت البصمة الوراثية مئات الأشخاص من جرائم القتل والاغتصاب، وأدانت آخرين مما يعني أنها وسيلة إثبات فريدة من نوعها.
وتبقى أشهر الجرائم التي ارتبط اسمها بالبصمة الوراثية، هي قضية "د.سام شيرد" الذي أدين بقتل زوجته ضربا حتى الموت في عام 1955، حيث كانت هذه القضية آنذاك محل اهتمام الرأي العام، والإعلام المسموع، ووكالات الأنباء، ووسط هذا الضغط الإعلامي، أغلق ملف كان يذكر احتمالية وجود شخص ثالث وجدت آثار دمائه على سرير المجني عليها أثناء مقاومته، وقضى "د.سام شيرد" في السجن عشر سنوات ثم أعيدت محاكمته عام 1965.
وحصل على براءته التي لم يقتنع بها الكثيرون حتى جاء غشت 1993 حينما طالب الابن الأوحد للدكتور "سام شيرد" فتح القضية من جديد وتطبيق اختبار البصمة الوراثية، حيث أمرت المحكمة في مارس 1998 بأخذ عينة من جثة "شيرد" وأثبت الطب الشرعي أن الدماء التي وجدت على سرير المجني عليها ليست دماء "سام شيرد" بل صديق العائلة، وأدانته البصمة الوراثية، وأسدل الستار على واحدة من أطول محاكمة في التاريخ في يناير 2000، بعدما حددت البصمة الوراثية كلمتها.
ومن ثم يظهر جليا أهمية تحليل ADN كوسيلة متطورة وفعالة في الإثبات الجنائي، كما تظهر الأهمية القصوى للآثار المادية التي يكتشفها المحققون في مسرح الجريمة.
*ثانيا: البصمات:
تندرج البصمات ضمن الخطوط التي تكسو أطراف الأصابع وراحة اليد، وهي تختلف اختلافا لا حد له حسب اختلاف الأشخاص.
وهذه البصمات إذا ما لامست جسما من الأجسام، إلا وتركت عليها آثارها، وهذا راجع أساسا إلى تكوين بشرة الجلد المغطاة بطبقة دهنية خفيفة من إفرازات العرق.
ولمعرفة البصمات في مكان الجريمة، فالأمر يوجب معرفة مكان وكيفية دخول الجاني وخرجه، وكذلك فحص جميع الأشياء التي من المحتمل أن يكون الجاني قد لامسها أو نقلها من مكانها الأصلي.
والبصمات قد تكون ظاهرية، حيث يمكن أ، يراها الخبير بالعين المجردة عند معاينة مكان الحادث، أو خفية، والتي لا يمكن إظهارها إلا باستعمال مواد كيماوية على شكل مسحوق أو سائل.
وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى للبصمة وأهميتها من خلال قوله تعالى :((أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه))، والبنان هو نهاية الأصبع، وتنقسم البصمات إلى عدة أنواع:
أ – بصمة الرائحة:
لكل إنسان بصمة الرائحة المميزة له عن سائر البشر، حيث يقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: ((ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)).
من هنا تم استغلال هذه البصمة المميزة في تتبع آثار أي شخص معين. وأبرز مثال على ذلك، الكلاب التي تستطيع بعد شم ملايين من البشر أن تخرج الشخص المعين من بين آلاف البشر.
ب – بصمة الشفاه :
وهي تلك العضلات القرمزية التي كثيرا ما تغنى بها الشعراء، وقد ثبت أن لبصمة الشفاه صفة مميزة لدرجة أنه لا يختلف اثنان فيها. ويتم أخذ بصمة الشفاه بواسطة جهاز به حبر غير مرئي، حيث يتم الضغط على شفاه الشخص بعد أن يوضع عليها ورق من نوع النحاس فتطبع عليه البصمة.
وتعتبر هذه البصمة من وسائل الإثبات ذات الفعالية الكبرى، وأكبر دليل على ذلك هو تمكن الخبراء من التعرف على الأشخاص بواسطة عقب سجارة.
ج – بصمة العين:
لقد عملت إحدى الشركات الأمريكية لصناعة الأجهزة الطبية على ابتكار بصمة العين، حيث أكدت الشركة أنه  لا توجد عينان متشابهتان في كل شيء، ويتم أخذ هذه البصمة عن طريق النظر في عدسة الجهاز الذي يقوم بدوره بالتقاط صورة لشبكة العين، وعند الاشتباه في أي شخص، يتم الضغط على زر معين بالجهاز، فتتم مقارنة صورته بالصورة المختزلة في الجهاز.
د – بصمة الأذن:
حيث تعد إحدى أهم البصمات التي يتم الاعتماد عليها في الإثبات، لكن بطريقة معقدة تستوجب تكنولوجيا عالية، وتتميز هذه البصمة بكونها الوحيدة التي لا تتغير منذ ولادة الإنسان وحتى مماته.
وعموما فإن المحاكم الجنائية تعمل على الأخذ بالبصمات كدليل إثبات قاطع بعد أن يثبت لها علميا أن الشك لا يتطرق إليها.
لكن تبقى بعض الحالات يمكن للجاني الفرار من المسؤولية الجنائية، وذلك بالتخلص من آثار البصمات بالحرق، هذا فضلا عن إمكانية إزالتها عن طريق الجراحة.
ولتفادي الأمر، طور باحثون هنديون أسلوبا جديدا للكشف عن بصمة الأصابع باستخدام صيغ كيميائية على شكل بخار تعتمد على صبغات ملونة وغير سامة، وأوضحوا أن مبدأ التقنية الجديدة يتمثل في أن العرق الذي يفرزه الإنسان يحتوي على مكونات غير عضوية وأيونات الكالسيوم، حيث تستخدم الصبغات الفلويتينية فتلمع بصمات الأصابع في الظلام، مما يساعد في الكشف عنها بسهولة، لكن مع اكتشاف البصمة الوراثية ADN، تبددت مخاوف تخلص المجرمين من البصمات، وأصبح التعرف على هوية مرتكبي الجرائم أمرا سهلا.
*ثالثا: علم الأسلحة النارية:
تنقسم الأسلحة النارية إلى قسمين: وهي إما أسلحة ذات المأسورة الطويلة كالبنادق، أو أسلحة ذات المأسورة القصيرة.
- فالأولى عبارة عن أسلحة أوتوماتيكية تعمر بخرطوش من ظرف نحاس ورصاصة مغلقة بغلاف نحاس طرفها الأمامي مدبدب، لها خزانة تتسع إلى عدة رصاصات حسب نوع وطراز البندقية، وهناك نوع آخر يعمر بكمية من البارود.
- أما الثانية، فهي عبارة عن أسلحة تطلق رصاصة واحدة في دفعة المسدس أو الطبنجات الأوتوماتيكية التي تعمل بخرطوش نحاس به رصاصة مغلقة بنيكل أو نحاس ومزودة بجزيئية على شكل مشط.
*تقدير مسافة الإطلاق:
لتقدير مسافة الإطلاق، أو التي أطلق منها العيار الناري، يتم فحص فتحة الدخول سواء بالملابس أو بالجسم، حيث يختلف شكلها باختلاف المسافة التي أطلق منها العيار، ويتم فحص الآلة ونوع البارود المستعمل كذلك، مما يمكن من تقدير تاريخ حدوث الإصابات النارية، وذلك عن طريق مشاهدة الجروح من حيث التهابها وتقيحها والنظر إلى طبيعة الأجزاء أو الأحشاء التي أصيبت، ومعانة النزيف، وبعد ذلك يتم تقدير المدة التي مضت من وقت حصول الإصابة إلى حدوث الوفاة.
وللتأكد أكثر يتم تصوير محل الإصابة بواسطة الأشعة تحت الحمراء، فتظهر كمية البارود والدخان. فتحديد المسافة إذن له أهمية بالغة في الحوادث، خاصة تلك التي يشك فيها أنها انتحار. فوجود البارود والدخان على يد القتيل بجانب شكل الجرح واتجاه الفلقة يشكل دليلا قاطعا على أن الضحية قد انتحرت.
وأخيرا، لمعرفة الوقت الذي مضى على استخدام السلاح، يتم شم رائحة البارود من فوهة مأسورة السلاح، فإذا كانت الرائحة قوية، أمكن القول بأن السلاح لم يمض على استخدامه إلا وقت قصير. أما إذا لم يجد أثر لرائحة البارود يتم إجراء اختبار كيميائي على محتوى الطلق الناري، وذلك عن طريق تحليل دخان البارود الذي بقي في مأسورة البندقية عند خروج الطلق أو داخل الظرف الفارغ.
*رابعا: تشريح الجثث:
يعد التشريح من أهم أعمال الطب الشرعي التي يتوقف عليها في كثير من حالات إثبات الجريمة، فالخبير يساعد القاضي في معرفة سبب الوفاة، والوسيلة التي استخدمت في إحداث الجريمة، والزمن الذي انقضى على وقوع الحادث، وكذلك طبيعة الجروح والإصابات التي توجد بالجثة.
وتشريح الجثة يقوم على مبادئ وإجراءات ضرورية.
ذلك لا تشرح الجثة إلا لأغراض الطب الشرعي، وبناء على انتداب شفوي أو كتابي، وبمجرد وصول هذا الانتداب يسرع الطبيب الشرعي إلى مكان الجثة وذلك مخافة ضياع المعالم التي قد تفيده في معرفة سبب الوفاة، ويتم تشريح الجثث أثناء النهار فقط مع اختيار الطبيب مكانا مناسبا للتشريح يتخلله الهواء وضوء الشمس.
وتجدر الإشارة إلى ضرورة حضور الضبط المحقق لعملية التشريح لاسيما في حوادث القتل، كما ينبغي عمل تشريح كامل ومستوفي، فالأمر يقتضي فتح ثلاثة تجاويف كبرى على الأقل، ولو كان سبب الوفاة جليا.


لائحة المراجع  
* القضاء الجنائي ووسائل الإثبات: بحث تحت إشراف د. محمد أحداف  2005.
* الإثبات في المواد الجنائية: أبو عمر محمد زكي.
* تأسيس الاقتناع القضائي والمحاكمة الجنائية العادلة: الجوهري كمال عبد الواحد.
* المختصر في التحقيق الإعدادي ووسائل الإثبات: محمد العروصي.
* الدليل المادي وأهميته في الإثبات الجنائي: أحمد أبو القاسم أحمد.
* وسائل الإثبات في الميدان الزجري: بحث تحت إشراف ذ.علي رحيمي 2006. 

هناك تعليق واحد:

  1. كل الاحترام مقال اكثرمن رائع واستفد منه بشكل شخصي

    ردحذف