المطلب الثاني: الأسباب التي قللت من مصداقية البصمة
الوراثية في الإثبات الجنائي:
البصمة الوراثية تتعرض لمجموعة
من الصعوبات التي تقلل من مصداقيتها في الإثبات الجنائي، إذن لماذا أهدر القضاء من
أهمية البصمة الوراثية؟ وأنزل من شأنها رغم ما نادت به صحف الإعلام وأهل الطب من
أنها قطعية الدلالة وتصلح للنفي والإثبات معا لهذا سوف نقوم بتحليل مدى مصداقية
البصمة الوراثية والأسباب التي تقلل من هذه المصداقية.
الفقرة الأولى: مدى مصداقية البصمة الوراثية:
إن أول سؤال يتبادر إلى الذهن
هو فعلا نتائج البصمة الوراثية صحيحة %100؟ أم أن هناك شيئا نجهله عن البصمة
الوراثية؟ حول هذا الموضوع تعددت أقوال الأطباء حول مصداقية البصمة الوراثية والذي
يهمنا هو النقل عن أهل الخبرة والاختصاص فأهل الطب والعاملون بالمختبرات أنفسهم
أدرى وأعلم باختصاصهم، فقد قال أحد الأطباء أن نتيجة البصمة الوراثية في الإثبات
بنسبة %99.99 وفي حالة النفي %100 وقال آخر إن احتمال تطابق القواعد النتروجينية
في الحمض النووي في شخصين غير وارد مما جعلها قرينة نفي وإثبات لا تقبل الشك وقد
قال أحد علماء البيولوجيا "أنه منذ أن تم إدخال تقنية البصمة الوراثية كأحد
الأدلة المستخدمة في التحقيقات الجنائية شهدت التقنية تطورا ملحوظا هادفا إلى
الزيادة من مصداقيتها وقد أصبح بفعل هذا التطور إمكانية الحصول على احتمالية تزيد
على نصف مليون بأن تكون البصمة الجينية للشخص هي نفس البصمة الجينية لشخص آخر.
إلا أن البصمة الوراثية مثلها
مثل أي طريقة بيولوجية لا يمكن اعتبارها صحيحة %100 وخالية من العيوب وهذه العيوب
هي المسببات التي أوهنت من قيمة البصمة الوراثية عند كثير من الناس.
ونستخلص مما سبق أن البصمة
الوراثية كما صرح بها أهل الطب لا يمكن أن تخلو من العيوب لأنها تحتاج إلى معايير
للتأكد من صحتها كالمؤهلات العلمية والخبرة المتميزة وسلامة الطرق والإجراءات التي
توظف لتحليل البصمة الوراثية فهي لا تصل إلى نسبة %100 وإنما تكون قربة من ذلك وهو
ما يعطيها صبغة "شبه قطعية" لهذا سنحاول معرفة أهم الأسباب التي أضعفت
من مصداقية وقيمة البصمة الوراثية.
الفقرة الثانية: الأسباب التي قللت من مصداقية البصمة
الوراثية:
بعد البحث عن الأسباب التي
قللت من مصداقية البصمة الوراثية وأوهنت من قيمتها تبين أن أهم الأسباب تكمن في
ناحيتين مهمتين للغاية الناحية الأولى هي الناحية الشرعية والناحية الأخرى هي
الناحية الإجرائية.
أولا: من الناحية الشرعية:
إن الأصل في القضاء الجنائي
أنه قضاء بيانات قائم على اليقين نظرا لأن القضاء يحكم أحوال الناس فيما يخص
أعراضهم وشرفهم وحقوقهم وحرياتهم ودمهم ولما كان ذلك كله لم يكن للبصمة الوراثية
عند أهل القضاء حيز وجود بين الأدلة الشرعية الممتلئ بها صندوق الفقه الإسلامي
وهذه الأدلة هي الإقرار والشهادة والبينة القطعية مما حدا بالقضاء أن يجعلها تحت
القرائن ولا ترى المستوى الدليل وما غير هذه القرائن الأربعة ليسر لها دليل من
الكتاب والسنة فلا تعتبر من البيانات سواء كانت قاطعة أم غير قاطعة لأنه لم يرد
دليل على ذلك يدل على اعتبارها بينة ولا تعتبر البينة بينة شرعا إلا إذا كان
الدليل على ذلك. كما أن أهل القانون لا يعتبرون الدليل دليلا إلا إذا نقل القاضي
من حالة الجهل أو الشك إلى حالة اليقين رغم أن أهل القضاء مثقفين على حجة الدليل
الفني أي حجة البصمة الوراثية بقوتها في التأثير على نفسية القاضي، ونخلص بالقول
أن البصمة الوراثية كدليل إذا قدمت إلى جانب الأدلة الشرعية كالبينة والشهادة لا
يتم الأخذ بها رغم أنها قطعية الدلالة.
ثانيا: من الناحية الإجرائية:
إن الإجراءات هي التي كانت
السبب وراء إنزال الشك والتردد عند أهل القضاء في البصمة الوراثية وإنزالها إلى
قرينة ظنية وتأخذ الناحية الإجرائية في إهدارها قيمة البصمة الوراثية عدة صور
أهمها، وتتمثل الصورة الأولى في الصيغة التي يستعملها أهل الطب عند إصدار التقارير
الطبية والتي يخلصون بعدها إلى نتيجة البصمة الوراثية إما إيجابيا أو سلبيا
والشبهة موطن الشك في التقارير الطبية نفسها حيث اتضح لنا عند الوصول إلى النتيجة
النهائية للتحليل البيولوجي يصيغون الصيغات الآتية "يمكن استبعاد"
المشتبه فيه كالمرتكب للجريمة مثلا أو "لا يمكن استبعاده" وإن المتمعن
في ضميره وخاطره أنه في المقابل يمكن أو لا يمكن أي تبقى مسألة احتمالية.
كذلك يصدر في بعض التقارير
الطبية من المختبر الجنائي الصياغة الآتية "وجد أن نتائج الحمض النووي الذي
ثم فصله من اللعاب الموجود على أعقاب السجائر قد جاء مطابق لعينة دم المتوفى"
هذه المرة لم تستعمل عبارة "يمكن استبعاد" لكن تم استعمال جاء مطابق لدم
المتوفى أي قد لا يكون مطابقا بحيث هذه المرة أيضا تبقى مسألة احتمالية.
وقد يقول قائل لماذا هذه
المقارنة بين تقارير البصمة الوراثية الجواب على هذا أن هذه التقارير وما تحتوي
عليه من صياغة في بعض العبارات الموجودة في تقارير البصمة الوراثية كانت هي أحد
الأسباب التي قللت من قيمة البصمة الوراثية عند أهل القضاء الذين لم يعتبروها إلا
مجرد قرينة تخضع لتقرير المحكمة بحيث أن القاضي يمكن أن يقع في حيرة بين استبعاد
المشتبه فيه في الجريمة، أي أن القاضي قد يقتنع تماما بهذا التقرير وبهذه الصياغة
وقد لا يقتنع وهذا هو موطن ضعف البصمة الوراثية، لهذا فإن الصيغة المستعملة لدى
أهل الطب كانت أحد الأسباب الرئيسية التي أدخلت الشك والتردد عند أهل القضاء
للبصمة الوراثية.
أما الصورة الثانية فهي تتعلق
بالعاملين على البصمة الوراثية أنفسهم إذ هم أحد أسباب قيام وقبول البصمة الوراثية
كدليل علمي حديث إذ أن الأصل في البصمة الوراثية القطع غير أن الظروف المحيطة بها
أهدرت من قيمتها على حد تعبير أهل الطب أنفسهم. فالعاملون على البصمة الوراثية
أشترط لهم علماء العصر أن يكونوا على دراية وعلم وخبرة وتجربة وأجهزة ذات كفاءة
عالية وتقنيات متقدمة وتم اشترط التعدد في العمل بأن يكونوا اثنين لأنها بمقام
الشهادة واشترطوا فيهم الأمانة، العدل، الصدق والثقة. فهل هذه الشروط جميعها
موجودة في كل مختبر موجود بكل دولة؟ وهل هذا الزمان الذي انعدمت فيه الثقة وأهدرت
فيه المبادئ الشرعية والحقوق الإسلامية واختلط الصالح بالطالح، فهل هذا كله من
شأنه أن يولد الثقة في نفوس القضاة الأجلاء الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
ويتحرون عن الحق، فهل القاضي مطالب بأن ينهض من كرسيه الموقر ويذهب إلى المختبر
الجنائي ويتحقق من كفاءة الأجهزة، فهل هناك موطن ثقة بين المحكمة والتقرير الطبي
الذي تم إحضاره وإدراجه في أوراق القضية، لا يعلم القاضي القائم عليه المشتغل فيه
حتى يضمن الثقة إذ كلنا نعلم في يومنا هذا أن مبلغ دراهم معدودات قد يجلب بالتقرير
ما تشتهيه النفس ويطيب معه الهوى.
وكل هذه الأمور ولدت الشك وعدم
الثقة أمام تقارير البصمة الوراثية المماثلة أمام هيئة القضاء وأوهنت من قيمتها
وقوتها، نظرا لوقوع هذه التقارير خارج نطاق المحكمة وعلى غير رؤية القاضي بعينه
هذا فضلا من أنها مجرد ورقة مطبوعة بآلة كاتبة "كمبيوتر" وتحوز بعض
الرموز والمصطلحات الأجنبية، الأمر الذي لا يخرجها عن كونها خبر وضعت للكشف عن أمر
من أمور الدعوى وإبداء الرأي للمختبر والخبرة وإبداء الرأي لا يرقى للقطع واليقين
لأنه مجرد استنتاج واستنباط وبيان كاشف لواقعة معينة وبالتالي تضل محاطة بالظن
والاحتمالات والدليل إذا تطرق له الاحتمال يبطل به الاستدلال.
في حين تظهر الصورة الثالثة في
ذاتية البصمة الوراثية وطبيعة تقنياتها ومدى مصداقيتها وما تتطلبه من تقنيات وخبر
فينة ومدى نسبة الخطأ فيها، يقول عالم الوراثة الرياضياتي "إريك لاندر"
لقد كشف عن بعض المشاكل في أولى حلقات الاختبار بحيث أعلن عن توافق الخطأ واحد بين
كل خمسين عينة واتضح أن الخطأ ناتج عن خلط عينتين ثم قال هذا العالم الرياضياتي
"تحدث الأخطاء في المعامل الإكلينيكية في الميادين بمعدلات تقدر نسبتها ما
بين %1 و%5 ستقع الأخطاء حتما". واختبار الإتقان يدفعنا إلى البحث عن أخطائنا
وإلى مواجهة أسبابها فتكون النتيجة هي تحسين الإجراءات كما تتطلب استخدام البصمة ADN أيضا معلومات غاية في
الدقة عن طبيعة العدة التقنية. وقد قال الأطباء البيولوجيون إن طريقة استخلاص
الحامض النووي لابد لها من خطوات وعدة طرق: طريقة (RELP) والطريقة الثانية هي (P.C.R) والطريقة الثالثة هي (S.T.R) وتعرف الطريقة الأولى
بتقسيم الأجزاء المتباينة الطول ومن عيوب هذه الطريقة أنه يحتاج إلى كمية كبيرة
نسبيا من الحمض النووي تصل إلى 100 نانوجرام على الأقل وقد يستغرق الفحص من 8 إلى
10 أيام، وتعرف الطريقة الثانية بالتفاعل النووي المتسلسل أي تكبير الحمض النووي
وكل هذه الطرق اشترط لها العالم الرياضياتي "إريك لاندر" أن تكون
العينات طازجة ونظيفة من شخص واحد ولا تكون قد تعرضت إلى اعتداءات بيئية أو قد
تحللت أو تكون مزيجا من عينات من أفراد عدة كما يحدث في حالة الاغتصاب المتعدد.
والسؤال الذي يطرح الآن ما مدى
معرفة وإلمام القضاة بهذه الأمور البيولوجية والخطوات المعملية، أليست هذه
الاعترافات صريحة بوجود نسبة الأخطاء في البصمة الوراثية؟ ووجود بعض العيوب التي
تهدر من قيمتها القطعية وذلك لما تمتاز به هذه الوسيلة العلمية الحديثة من دقة
متناهية وطريقة معقدة في غاية الحذر وهو ما اشترطه العالم البيولوجي "إريك
لاندر" ونمها الشروط والقواعد العامة ومنها الحذر من التكنولوجيا المتطورة
والحصول على معلومات في غاية الدقة عن الطبيعة التقنية.
المراجع:
- الكعبي خليفة علي، البصمة الوراثية وأثارها على الأحكام الفقهية.
- المعايضة منصور عمر، الأدلة الجنائية والتحقيق الجنائي لرجال القضاء.
- محمد العروصي، المختصر في التحقيق الإعدادي و وسائل الإثبات.
- أحمد أحمد أبو قاسم، دليل المادي وأثره في الإثبات الجنائي.
- البحث حول، وسائل الإثبات في الميدان الزجري.
- الكعبي خليفة علي، البصمة الوراثية وأثارها على الأحكام الفقهية.
- المعايضة منصور عمر، الأدلة الجنائية والتحقيق الجنائي لرجال القضاء.
- محمد العروصي، المختصر في التحقيق الإعدادي و وسائل الإثبات.
- أحمد أحمد أبو قاسم، دليل المادي وأثره في الإثبات الجنائي.
- البحث حول، وسائل الإثبات في الميدان الزجري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق