الثلاثاء، 1 يناير 2013

دور البصمة الوراثية في الإثبات الجنائي( الجزء الثاني)


المطلب الثاني: تقسيم العمل بالبصمة الوراثية قضاء:
تلعب البصمة الوراثية دورا هاما وبارزا في شتى نواحي الحياة الاجتماعية وخاصة في المجال الجنائي وفي مجال النسب.
الفقرة الأولى: حجية الحمض النووي في إثبات النسب:
فكرة البصمة الوراثية مبنية على أساس أن العوامل (الصفات) الوراثية في الطفل الابن لابد أن يكون أصلها مأخوذا من الأب الأم.
فالطفل يأخذ دوما نصف الصفات الوراثية من الأب (عن طريق الحيوان المنوي) والنصف الآخر من الأم (عن طريق البويضة)، ولهذا لابد من وجود أصل الصفات الوراثية الخاصة بالولد في كل من الأب والأم تبعا للقانون المنظم للوراثة الذي ينص على أن (أي صفة وراثية أو عامل وراثي في الأبناء لابد أن يكون موجودا في أحد الأبوين)، وبناء على ذلك فإن البصمة الوراثية يمكن بها أن نؤكد يقينا أن هذا الولد من هذا الرجل المعلوم (الولد من ماء الرجل)، وبهذا ينتفي الخلاف تماما. ويتم ذلك عن طريق تحديد البصمة الوراثية للرجل والمولود والأم ومقارنة البصمة الوراثية للطفل مع بصمة كل من الرجل والمرأة. فلو تمت مطابقة البصمة الوراثية لكل من الرجل والطفل والأم ووجد أن الصفات الوراثية الموجودة في الطفل نصفها من الأم والنصف الآخر من الرجل المدعى عليه أو مدعي النسب، فهذا دليل لا يقبل الشك على أن هذا الطفل من ذاك الرجل. أما إذا وجد أن الصفات الوراثية الموجودة في الطفل نصفها من الأم والنصف الآخر غير مطابق لما هو في الرجل المدعى عليه أو مدعي النسب فهذا دليل أكيد على أن هذا الطفل ليس من هذا الرجل.
وكان أول تطبيق لبصمة الحمض النووي أو البصمة الوراثية في قضايا إثبات النسب في عام 1984 عندما رفضت سلطات الجوازات البريطانية في مطار _هثرو_ السماح بدخول طفل غاني بحجة أنه ليس ابنا لسيدة غانية لديها إقامة بريطانية منظمة. حيث طلبت السلطات البريطانية من عالم الوراثة "إليك جيفري" من جامعة ليستر ببريطانيا فحص الحمض النووي ومن خلال بحثه اكتشف جيفري تتابعات الحمض النووي وأنها تختلف من شخص لآخر وأنها لا تتطابق إلا في التوائم من حيوان منوي واحد وبويضة واحدة ولهذا سميت بالبصمة الوراثية.
الفقرة الثانية: حجية البصمة الوراثية في الإثبات الجنائي:
إن دور البصمة الوراثية يبرز في المجال الجنائي:
·  الصورة الأولى: جرائم الدماء بأنواعها: القتل والضرب المفضي إلى الموت وقضايا الدهس المروري وجرائم الانتحار بشتى أنواعها...
· الصورة الثانية: جرائم العرض بأنواعها: اللواط، الزنا، الاغتصاب، هتك العرض المصاحب لجنح، وكل فعل ارتبط بجناية أو جنحة في قضايا العرض تركت آثارا أو عينات مفيدة للتحليل البيولوجي.
·   الصورة الثالثة: تلعب البصمة الوراثية دورا في كشف الجرائم المتعلقة بتزوير النسب التي يقصد منها الحصول على جنسية الدولة أو مبلغ من المال.
·  الصورة الرابعة: كل جريمة أو حادثة تركت أثرا أو سائلا أو عينة من المتهم على المجني عليه يمكن الاستفادة منها في تحليل البصمة الوراثية.
المبحث الثاني: دور البصمة الوراثية في الإثبات الجنائي
تستخدم تقنية ADN في تحليل العينات الجنائية لتحديد الشخص المشتبه فيه في جرائم القتل والاغتصاب، وذلك من خلال تطابق بصمته الوراثية مع البصمة الوراثية التي تنبثق من الآثار البيولوجية الموجودة بمسرح الجريمة (الحادث) أو نم المجني عليه مثل نقطة دم أو بقعة لسائل منوي أو الشعر المنزوع بجذوره أو اللعاب أو الجلد أو العظام أو خلايا آدمية أخرى.
المطلب الأول: النماذج العلمية لإثبات الجرائم بالبصمة الوراثية:
كل جريمة تترك وراءها من الدلائل والعلامات ما يتوصل به إلى معرفة الفاعل مهما حاول المجرمون طمس معالم الجريمة وإخفاء آثارها، وقد أثبتت الجرائم العلمية المخبرية التوصل إلى المجرمين بواسطة القرائن المادية التي تخلف الجريمة.
وقد اتجهت الدراسات الحديثة إلى أن البصمة الوراثية لها ما يمكنها من التعرف على الجريمة وكشف مرتكبيها من خلال الآثار المادية التي تركها الجاني في مسرح الجريمة.
ولهذا سنتعرض لتحليل هذه الآثار المادية التي من بينها ما يساهم في الكشف عن جرائم القتل، ومنها ما يساهم في الكشف عن جرائم الاغتصاب والزنا.
الفقرة الأولى: دورها في اكتشاف مرتكبي الجرائم عبر تحليل الشعر والدم:
أولا: تحليل آثار الشعر ب ADN:
إن وجود الشعر في مكان الجريمة يساعد على تفسير ملابستها ويساعد المحقق في الجريمة على معرفة نوعه وعلاقته بالجريمة. وللشعر خاصية عجيبة في التعرف على الجريمة وعلى الفاعل لما يختص به ن صفة الالتصاق بالأجسام الصلبة مما يستوجب المحافظة على عينة الشعر حتى تبقى على طبيعتها التي وجدت عليها. وإن الأماكن التي يمكن العثور على الشعر في مسرح الجريمة إما فوق جسم المجني عليه أو الجاني. أو تحت الأظافر خصوصا في جرائم العنف والمقاومة، وقد يوجد أيضا في يد المجني عليه وخاصة في الجرائم التي تكون مصحوبة بمقاومة من المجني عليه، ويمكن أن توجد آثار الشعر في الأدوات التي استخدمت في ارتكاب الجريمة وخاصة في جرائم القتل.
ويتم رفع الشعر والتحفظ عليه في مكان الحادث بواسطة رفعه بملقط غير مسنن أو شريط لاصق وهو بالحالة التي وجد عليها سواء كان ملوثا بالدم أو المني أو أي نوع من الزيوت أو الأصباغ، وتوضع العينة في أنبوب اختيار زجاجي نظيف ليتم اختباره وتحليله باستخدام الحمض النووي من أجل تحديد صاحب الشعر، بحيث نقوم بتحديد الحامض النووي من خلال الشعر المعثور عليه في مسرح الحادث، ويتم تحديد الحامض النووي لعينات من شعر الأشخاص المشتبه فيهم، ومقارنة ذلك مع الحامض النووي للشعر المضبوط في مسرح الحادث على تحديد صاحب الشعر. وبتحليل عينات الشعر يمكن التعرف على كثير من المجرمين في جرائم القتل بمختلف أنواعها، وكذلك يمكن التعرف على أنواع الجروح وتحديد الأداة المستخدمة في إحداثها، ويساعد أيضا تحليل عينات الشعر في التفريق بين فتحة الدخول وفتحة الخروج في إصابات الأسلحة النارية في حالة الإطلاق من مسافات قريبة حيث نجد غالبا حرق أو شعط في الشعر حول فتحة دخول مقذوف النار وغيرها من الحوادث التي يمكن التعرف إليها عن طريق تحليل عينات الشعر.
ثانيا: تحليل آثار الدم ب ADN:
تعتبر البقع الدموية من أهم الأدلة في التحقيق الجنائي، حيث أن لها أهمية بالغة في حل غموض معظم الجرائم والتعرف على المجرم ونظرا لأن الدم قد يعلق على الأشياء أو يتصل بها بطرق التناثر فإن آثاره تنتشر في مواقع متعددة بحيث أنها قد توجد في المتهم وعلى ملابسه وفي أظافره ويمكن أ، توجد بالملابس المغسولة حديثا أو مسرح الحادث وما يتصل به من أماكن وخاصة الأرضية والجدران أو في قطع الأثاث الموجودة حيث قد تكون على هذه المواضع آثار مسحة لمحاولة التخلص من التلوثات من آثار الدماء التي علقت به وقد يوج دفي قواعد النوافذ وقطع ألواح الزجاج المكسور وربما قد تتموضع هذه البقع الدموية على الجثة وما عليها من ملابس وتحت الأظافر أو في الأسلحة والآلات التي استخدمت في الحادث أو في إطار السيارات.
وقبل أن يتم رفع هذه البقع من أجل إخضاعها لتحليل بالبصمة الوراثية يجب تصويرها لإثبات حالتها على النحو الذي وجدت عليه وترفع هذه البقع حسب الحالة التي وجدت عليها فقد تكون جافة وقد تكون سائلة وكذلك حسب طبيعة السطح الذي وجدت عليه بحيث قد يكون ثابت أو متحرك، فإن الطرق العلمية لرفع البقع الدموية تتلخص فيما يلي: البقع السائلة يتم رفعها بواسطة السحب بحقن ثم توضع في أنبوب العينات وتحفظ بالثلاجة وتغلق بإحكام وترسل إلى المعمل الجنائي فورا، أما البقع الرطبة ترفع بواسطة قطعة من القطن بالماء المقطر أو محلول الملح الفسيولوجي وتوضع على البقع بواسطة ملقط حتى يتم ذوبان البقع وامتصاصها عن القطعة تم تترك لتجف وترسل إلى المعمل بعد ذلك أما البقع الجافة من أجل رفعها تعتمد على حجمها وأماكن تواجدها.
وبعد إرسال هذه البقع الدموية التي وجدت في مكان الجريمة إلى المعمل الجنائي يتم تحليلها ومعرفة الحمض النووي الخاص بها حيث يقوم الطبيب الشرعي بتحليل وفحص الحمض النووي لكل المشتبه فيهم وإذا تم إيجاد بصمة الحمض النووي لأحد المشتبه بهم تتطابق مع بصمة الحمض النووي للتلوثات والبقع الدموية التي وجدت في مسرح الجريمة اعتبر هو الجاني ولا يمكن التشكيك في هذه النتائج التحليلية لأن تحليل البصمة الوراثية يعتبر وسيلة إثبات قاطعة بنسبة %100 بأن هذه التلوثات الدموية مصدرها هذا المشتبه فيه.
وبصمة الحمض النووي تعتبر وسيلة إثبات ونفي معا في حين أن تحليل الدم تعتبر وسيلة نفي فقط لا إثبات. وتكمن الأهمية الفنية لتحليل الدم بواسطة البصمة الوراثية في معرفة هوية الجاني خاصة في جرائم القتل. ومعرفة حركة الجاني وسلوكه عند ارتكابه لجريمة أو بعد الانتهاء منها وذلك عن طريق دراسة تساقط وانتشار مسار البقع والتلوثات الدموية في مكان الحادث كما يمكن بواسطة تطبيق تقنية ADN إثبات وقوع الجريمة في حالة اختفاء جسم الجريمة (الجثة) ووجود آثار منها كالدماء أو العظام إذ يمكن إرجاع هذه الآثار إلى المجني عليه والتأكد من وقوع الجريمة بشرط وجود أشخاص قد قاموا بالإبلاغ عن مفقودين حتى يمكن الرجوع إليهم وعمل المقارنة.
الفقرة الثانية: دورها في اكتشاف مرتكبي الجرائم عبر تحليل المني واللعاب:
لقد شددت الشريعة الإسلامية في وسيلة لإثبات جريمة الزنا وكذلك جريمة الاغتصاب وهتك العرض وكل الجرائم التي تمس كرامة الإنسان وذلك لخطورة هذه الجرائم وخطورة العقوبة في حق المحصن. ولكن المطلوب في النهاية ثبوت الجريمة دون الشك وبما أن المني واللعاب من أهم الآثار المادية التي توجد في أماكن جرائم الاغتصاب والزنا، وبما أن الموضوع الأساسي لعرضنا هو البصمة الوراثية ودورها في اكتشاف جرائم الاغتصاب على سبيل المثال ارتأينا أن نقوم بتحليل المني ببصمة الحمض النووي (أولا) وتحليل اللعاب (ثانيا).
أولا: تحليل آثار المني ب ADN:
إذا لم تثبت الزنا أو الاغتصاب بوسائل الإثبات الأخرى كالشهادة أو الإقرار وثبتت الشبهة في حصوله فيجب تحليل الآثار المنوية ببصمة الحمض النووي وإن مجمع المواضع التي يمكن أن توجد فيها كثيرة فقد توجد في مكان الواقعة أو الحادثة وتشمل الأرضية والأغطية على السرير والمراتب والسجاد أو فراش السيارة، أو في جسم المجني عليهم وملابسهم أو حول الأعضاء التناسلية أو الأماكن الحساسة وداخل هذه الأجزاء وربما أن هذه البقع قد توجد في جسم الجاني أو المتهم وخاصة في ملابسه الداخلية وعلى العضو التناسلي الذكري  ويتم رفع هذه البقع المنوية والتي توجد على أسطح ثابتة خشبية أو على الأرض أو أشياء مماثلة كثيرة، ففي هذه الحالات يمكن رفع العينة المشتبه بها إذا كانت جافة وتحفظ في أنبوب زجاجي صغير أما إذا كانت البقعة المنوية غير جافة يمكن مسحها بقطعة قماش نظيف تم تجفف وترسل للمختبر أما إذا وجدت على الملابس فترسل تلك الملابس إلى المعمل الجنائي من أجل أن تحلل هذه البقع ومعرفة صاحبها باستعمال الحمض النووي وكما ذكرنا فإن البصمة الوراثية تختلف من شخص لآخر ولا يمكن أن تتطابق الشفرة الوراثية في شخصين بحيث أن هذا التطابق يعد أمرا مستحيلا إلا في التوائم فقط، وعندما يتم فحص الإفرازات المنوية الموجودة بمهبل المرأة للكشف عن بصمة الحمض النووي التي وجدت بمهبل المرأة تخص المشتبه فيه، ووجد كذلك بقضيب المشتبه فيه إفرازات مهبلية ثبت بفحص الحمض النووي أنها تخص مهبل المرأة ذاتها فإن جريمة الاغتصاب أو الزنا ثابتة دون شك.
وكذلك يمكن إثبات جريمة الزنا بالحمض النووي إذا أثبت وفق قواعد الحمض النووي أن الطفل الذي أنجبته الزوجة لا يمكن أن يكون لزوجها مع ملاحظة أن فحص الحمض النووي في مجال إثبات النسب وسيلة نفي وإثبات معا لا نفي فقط كما في حالة تحليل فصائل الدم. وتكمن الأهمية الجنائية لتحليل آثار التلوثات المنوية الموجودة في مكان الحادث بواسطة الحمض النووي بكونها تساعد على إثبات الواقعة الجنسية وجرائم الاعتداء الجنسي كالاغتصاب والزنا واللواط وذلك بإثبات وجود السائل المنوي في المجني عليه أو عليها وكذلك من أجل التعرف على هوية المجرمين في الجرائم الجنسية عن طريق بصمة الحمض النووي ADN لسائل المنوي الذي يرفع عن ملابس المجني أو المجني عليه أو مكان الواقعة أو من الأماكن الحساسة للمجني عليها أو عليه ومقارنتها بالحامض النووي للمتهم وهي دليل إثبات %100 ونفي كذلك.
ثانيا: تحليل آثار اللعاب ب ADN:
يوجد اللعاب بصفة دائمة في فم الإنسان، ورغم أن الواقع العلمي يؤكد ندرة البحث عن هذا الأثر، إذ أ، البحث العلمي يفرض تناوله بالدراسة. واللعاب قد يتخلف على أجزاء من القماش أو ما شابه ذلك مما يستخدم كالكمامة في حالة اختطاف قاصر واغتصابها أو شد المنافذ الهوائية في حالة خنق المجني عليه كما يتخلف في منديل، أو على أعقاب السجائر إذا كان الجاني من المدخنين أو السيجار أو على الزجاجات والأكواب التي اتصلت بالشفتين كما قد يعثر على اللعاب في شكل بقع جافة على أرضية مسرح الجريمة ويتم رفع واستخلاص اللعاب بوسائل علمية مناسبة فقد ترفع آثار اللعاب في أماكن تواجدها على مسبل من القطن (مسحة) مبللة خفيفا بالماء المقطر. حيث يمسح بها مكان البقعة (العضة أو أعقاب السجائر) وبعد ذلك توضع في أنبوب زجاجي وترسل للمختبر من أجل خضوع للتحليل بواسطة الحمض النووي وإذا تمت المطابقة بين الحمض النووي الموجود في اللعاب وبين الحمض النووي للشخص المشتبه به اعتبر هو مرتكب الجريمة، وبهذا تكون البصمة الوراثية قد ساعدت في التعرف على مرتكبي الجرائم.
وخلاصة القول فإن البصمة الوراثية في المجال الجنائي أنها قرينة قوية ولا يقام بها حكم على استقلال ما لم تدعمها قرائن أخرى. ويكون إجراء البصمة الوراثية في هذه الجرائم بالنسبة للمجال الجنائي إجراء فوريا تتخذها السلطات المختصة سواء رجال الأمن أو النيابة العامة بشكل سريع حتى لا تضيع معالم الجريمة وتندثر آثارها نهائيا دون شرط الإذن من القضاء طالما أن هناك مصلحة عامة وفي نفس الوقت تخدم العدالة فلا حرج من إجرائها بدون قضاء، وقد يصل الأمر إلى هذا الأخير ويرى القاضي تمت ضرورة لإجراء الاختبار البيولوجي فيأمر به من تلقاء نفسه للتأكد من وقائع القضية المطروحة أمام المحكمة.

المراجع:
- الكعبي خليفة علي، البصمة الوراثية وأثارها على الأحكام الفقهية.
- المعايضة منصور عمر، الأدلة الجنائية والتحقيق الجنائي لرجال القضاء.
- محمد العروصي، المختصر في التحقيق الإعدادي و وسائل الإثبات.
- أحمد أحمد أبو قاسم، دليل المادي وأثره في الإثبات الجنائي.
- البحث حول، وسائل الإثبات في الميدان الزجري. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق