المبحث الثالث: تمييز الكفالة وما شبيه بها
هناك خصائص تشترك فيها
الكفالة مع مجموعة من النظم، ولما كان نظام من هذه النظم قد خصص له أحكام قانونية
يستقل بها دون ما سواه مما يشبه به.
لذا لزم أن تعرض أوجه التمييز
بين الكفالة وهذه النظم القانونية لاسيما في ظل اشتراكهم في خصائص واحدة، حيث
ستبرز الخصيصة المشتركة بين الكفالة وكل نظام من النظم مع إيضاح أوجه التمييز الذي
يجعل كل نظام من هذه النظم بما فيها الكفالة يحتفظ بذاتيته وأحكامه المستقلة، على
الرغم من التشابه القائم بينهم سواء من حيث التكوين القانوني أو من حيث الوظيفة
الاقتصادية وهذه النظم تتجلى في:
1. التزام الموظف
2. التضامن بين المدينين
3. التعهد عن الغير
4. الإنابة الناقصة
أولا: التزام الموظف.
ما يسمى في العمل
"كفالة" وهو دفع النقود ضمانا للقيام بعمل معين أو أداء التزام معين كما
هو الشأن في المبالغ التي يدفعها بعض الموظفين أو المحصلين ضمانا لحسن قيامهم
بأعمالهم. فدفع هذه المبالغ لا يعدو أن يكون رهنا حيازيا لها، أي تأمينا عينيا، على خلاف عقد
الكفالة باعتباره التزاما تبعيا يتعهد فيه الكفيل بأن يفي الالتزام المكفول إذا لم
يف به المدين نفسه ويمكننا التمييز بين النوعين سافي الذكر (عقد الكفالة والتزام
الموظف) من حيث:
أ-
الشكل القانوني:
فالكفالة محور دراستنا تعتبر التطبيق النموذجي للتأمينات الشخصية دائما تتم بعقد
باعتباره الشكل القانوني الذي تصاغ فيه في حين أن الكفالة التي تنطوي على دفع مبلغ
من النقود، قد تتم بعقد وقد تكون بناء على تنفيذ اللوائح الداخلية يلتزم بها
الموظف قبل جهة عمله.
ب-
التزام الكفيل قد يكون
على سبيل التبرع وقد يكون بعوض أما التزام الموظف بإيداع الكفالة فعادة يكون
بمناسبة وظيفته، والتي يتلقى بشأنها أجر ومن ثم يكون التزامه دائما على سبيل
المعاوضة حيث يتقاضى أجره مقابل القيام بهذه الوظيفة.
ت-
التزام الكفيل دائما
يكون بمناسبة إخلال الغير عن تنفيذ التزامه وهو المدين في هذا القصد، في حين أن
التزام الموظف الكفيل يكون بمناسبة إخلاله هو نفسه بالقيام بعمل ما التزم به تجاه
جهة عمله ومن ثم يمكن القول أن استحقاق جهة المبلغ الذي أودعه الموظف هو نتيجة
لخطئه في عمله الأصلي، فإن هذا الالتزام يمكن القول بصدده أنه التزام على سبيل
التعويض في حين أن التزام الكفيل بالوفاء بالدين في حالة عدم وفاء المدين الأصلي
به يمكن القول بصدده أن التزام بدلي.
ثانيا: التضامن بين المدينين.
هناك اختلافا بين الكفالة
والتضامن بين المدينين، ففي الالتزام التضامني يتعدد المدينون ويكون التزام كل
منهم التزاما أصليا فيكون من حق الدائن أن يطالب أيا منهم بكل الدين، مما يعني أن
المدين المتضامن يلتزم في مواجهة الدائن بحصة المدينين الآخرين مع الوفاء بحصته
وكل ذلك نقيض التزام الكفيل والذي يعد التزاما تبعيا الالتزام المدين، فتبعية التزام
الكفيل تجعله في مركز مختلف عن مركز المدين المتضامن حيث أن هذا الأخير يلتزم
بوفاء دين نفسه في حين أن وفاء الكفيل يكون عن التزام غيره ويترتب عن اختلاف مركز
الكفيل المتضامن عن مركز المدين المتضامن أن الكفيل أن يدفع حين مطالبته بالدين
بكل الدفوع التي تجوز للمدين إبدائها لرد المطالبة من بطلان أو سقوط الكفيل وإن
كان متضامنا يلتزم بصفة تبعية بالدين على خلاف المدين المتضامن فهو يلزم بصفة
أصلية حتى ولو لم تكن له في علاقته بالمدينين الآخرين مصلحة في الدين.
ثالثا: التعهد عن الغير.
تعتبر الكفالة رابطة قانونية
يكون عند عقد الالتزام بها طرفا العقد معلومين في حين أن التعهد عن الغير هو وضع
قانوني يكون فيه أحد أطراف العقد معروفا وليس كالأطراف العقد.
إن المتعهد عن الغير ينشأ في
ذمته التزام أصلي قبل من تعهد له، ومقتضاه أن يحمل الغير على قبول التزام معين غير
أن الغير الذي تعهد عنه له الحرية الكاملة في قبول التعهد أو رفضه لأن المتعهد
يلزم نفسه بتعهده ولا يلزم الغير.
أما التزام الكفيل فهو تبعي
حيث يلتزم بأن يفي بالتزام المدين إذا ** به المدين الأصلي وعليه فمطل التزام
المتعهد يختلفه عن محل التزام الغير في حين أن التزام الكفيل يستند إلى التزام
المدين الأصلي المكفول عنه ومحله ضمان تنفيذه.
بناء عليه فأن الغير إن رفض
القيام بتنفيذ ما تعهد به المتعهد فإن هذا الأخير يعتبر قد أخل بالتزام ترتب في
ذمته ومن ثم وجب عليه تعويض المتعهد له عما ناله من ضرر ويضاف إلى ذلك إن التزام
المتعهد لا يقوم في نفس الوقت مع التزام الغير إذ في الوقت الذي يقبل فيه الغير
الالتزام تبرأ ذمة المتعهد لأن تعهده قد تحقق، في حين أن الكفيل لا تبرأ ذمته إلا
بوفاء المدين بالتزامه الذي كفله الكفيل يضمن وفاء المدين بالتزامه أما المتعهد
فيتعهد بقبول الغير الالتزام المعين دون أن يضمن وفائه به.
إن وجه اللبس بين التزام كل
من الكفيل والمتعهد يتجلى في كون الجزاء على عدم التزام الغير بموضوع التعهد هو
التزام المتعهد بالتعويض، ويجوز له كصورة من الصور التعويض أن ينفذ هو هذا
الالتزام وقد يؤدي هذا الاعتقاد بأن المتعهد عن الغير هو في حقيقته كفيل لأنه ينفذ
التزاما كان المفروض أن يتحمل به لغيره ولكن هذا الاعتقاد غير صحيح لأن المتعهد عن
الغير قد التزم بصفة أصلية بأن يجعل الغير يلتزم بأمر ما والتزامه هو من ثم جاز له
كصورة من صور التعويض تنفيذ الالتزام بنفسه وبذلك ففكرة التبعية هي التي تميز بين
التزام الكفيل والتزام المتعهد عن الغير.
رابعا: الإنابة الناقصة
والكفالة.
تتم الإنابة الناقصة إذا حصل
المدين الأصلي على رضاء الدائن بأن يلتزم شخص آخر بوفاء الدين مكانه ولا يلتزم أن
يكون الغير مدينا للمدين ويقوم الالتزام الجديد إلى جانب الالتزام الأول ولا يشترط
لصحة التزام المناوب أن يكون التزام المنيب صحيحا أو غير قابل للدفع وإنما يكون
للمناب الرجوع على المنيب.
لا شك في أن طبيعة التزام كل
من المناب والكفيل تختلف عن الأخرى لأمر الذي يحققه الاستغلال لكل من النظامين.
فالمناب يلتزم التزاما أصليا
بجانب المنيب (المنيب الأصلي) في مواجهة المناب لدبه أما التزام الكفيل فعلى الرغم
من أنه يقوم بجوار التزام المدين الأصلي إلا أن التزامه هذا يتبع التزام الأصلي في
صحته وفي وجوبه وانقضائه وسقوطه وبطلانه ومن ثم فخصيصة التبعية للالتزام الكفيل
ترتب له من الحقوق ما لا يتمتع به المناب (المدين الجديد) ويظهر ذلك في علاقته
بالدائن حيث لا يجوز له الدفع في مواجهة الدائن بضرورة رجوعه أولا على المنيب في
حين أن هذا الحق ثابت للكفيل باعتبار التزامه التزاما تبعيا ولا يجوز له أن يتمسك
في مواجهة الدائن بضرورة التنفيذ أولا على أموال المدين وتجريده من أمواله قبل
الشروع في التنفيذ على أموال الكفيل.
الفصل الثاني: آثار الكفالة
سنقوم بعرض آثار الكفالة عن
طريق التطرق لكل من علاقة الكفيل بالدائن (المبحث الأول) وعلاقة الكفيل بالمدين
الأصلي (المبحث الثاني) ثم علاقة الكفلاء فيما بينهم (المبحث الثالث)
المبحث الأول: العلاقة بين الكفيل والدائن
سنتناول هذا المبحث بتفصيل في
نقطتين أولا: رجوع الدائن على الكفيل مباشرة، وثانيا حق الكفيل التمسك بدفوع
المدين.
أولا: رجوع الدائن على الكفيل
مباشرة.
عقد الكفالة لا يفترض التضامن
في الوفاء بالدين بين الكفيل وبين المدين لأن التضامن غير مفترض ما لم يشترط هذا
التضامن صراحة في صلب عقد الكفالة أو ما لم تعتبر الكفالة عملا تجاريا بالنسبة إلى
الكفيل وفي هاتين الحالتين تخضع آثار الكفالة للقواعد المتعلقة بالتضامن بين
المدينين (الفصل 1133
ق.ل.ع).
يبين الفصل 1134 ق ل ع مبدأ
عام يقضي بعدم إمكانية رجوع الدائن على الكفيل إلا بعد مباشرة حقوقه اتجاه المدين
لكن الفصل 1135 خرج على هذا المبدأ العام عندما سمح للدائن بالرجوع على الكفيل
وذلك في الحالات التالية:
وهناك ثلاث حالات:
·
إذا مات الكفيل قبل
حلول الأجل دون ضرورة الانتظار حلول أجل المدين الأصلي يجوز للدائن الرجوع على
ورثته وإذا دفع الورثة الدين في هذه الحالة كان لهم أن يرجعوا على المدين عند حلول
أجل الالتزام الأصلي.
·
حق الدائن الرجوع على
الكفيل عند إفلاسه لأن يرتب عن ذلك حلول أجل الدين بالنسبة للكفيل وذلك حتى ولو لم
يحل أجل الالتزام الأصلي وفي هذه الحالة يجوز للدائن أن يتقدم في تفليسه بالدين
رغم أن الدين مازال مؤجلا بالنسبة للمدين وعند تأخره بهذه الإجراءات جاز للكفيل
العادي أن يطلب إبراء ذمته بفعل إهمال الدائن وتماطله.
·
هناك حالة ثالثة ثم
التنصيص عليها في نفس المادة (م 1135 ق.ل.ع) وهي أن وفاة المدين تؤدي إلى حلول أجل
الدين بالنسبة إلى تركته ولكن لا يسوغ للدائن مطالبة الكفالة قبل حلول الأجل
المتفق عليه إلا أن هذه الحالة قد ألغيت بعد إلغاء الفصل 140 ق.ل.ع بموجب ظهير 19
يوليوز 1922 ففي الحالات العادية فإن الدائن لا يرجع ولا يحق له الرجوع على الكفيل
حالة عدم أداء المدين دينه في الأجل المتفق عليه إن لم يقم ببعض الإجراءات
والأعمال، وقد أوضح الفصل
1136 بهذا الصدد ما يلي:
"للكفيل الحق في أن يطلب من الدائن أن يقوم أولا بتجريد المدين من أمواله المنقولة والعقارية بشرط أن تكون قابلة للتنفيذ عليها وأن توجد داخل المملكة وأن يقوم بإرشاده إليها"
"للكفيل الحق في أن يطلب من الدائن أن يقوم أولا بتجريد المدين من أمواله المنقولة والعقارية بشرط أن تكون قابلة للتنفيذ عليها وأن توجد داخل المملكة وأن يقوم بإرشاده إليها"
الدفع بتجريد المدين يجب أن
تتوفر فيه الشروط الآتية:
-
أن يتمسك به الكفيل
باعتباره صاحب المصلحة.
-
أن تكون تلك الأموال
موجودة داخل المملكة.
-
أن تكون تلك الأموال
غير متنازع عليها.
-
أن تكون تلك الأموال
التي يرشد إليها الكفيل الدائن غير مثلة رهون رسمية تستغرق جزءا كبيرا من قيمتها
وأن يكون حق المدين عليها مؤكدا غير قابل للفسخ.
-
أن تكون تلك الأموال
التي يرشد إليها الكفيل كافية للوفاء بحق الدائن كاملا.
ثانيا: حق الكفيل التمسك
بدفوع المدين.
قد أجازت المادة 1140 ق.ل.ع
للكفيل الحق في التمسك في مواجهة الدائن بكل دفوع المدين الأصلي سواء كانت له أم
متعلقة بالدين المطلوب ومنها تلك المؤسسة على نقص أهليته وله أن يتمسك بهذه الدفوع
حتى رغم اعتراض المدين أو حتى رغم تنازله عنها أكثر من ذلك يحق للكفيل أن يتمسك
بالدفوع ذات الطابع الشخصي بالنسبة للمدين مثل الدفع المستمد من الإبراء من الدين
الحاصل للمدين شخصيا.
وللكفيل الحق في أن يرجع على
الدائن من أجل إبراء ذمته من الدين بمجرد أن يتأخر في المطالبة بعد أن يصبح مستحق
الأداء (م 1142 ق.ل.ع).
في حالة تعدد الكفلاء يجب
لمعرفة وضعيتهم التمييز بين وضعيتين:
الوضع الأول:
إذا كان الكفلاء قد كفلوا بعقد واحد بنفس الدين ولم يشترطوا التضامن فيما بينهم لم
يلتزم كل منهم إلا بحصته من الدين.
الوضع الثاني:
أما إذا شترطوا فيما بينهم أو إذا كانت الكفالة قد أبرمت من كل كفيل على انفراد من
أجل الدين كله أو إذا كانت الكفالة تعتبر عمل تجاري بالنسبة إلى الكفلاء اعتبروا
مضامين في مواجهة الدائن وجاز للدائن مطالبة كل منهم بالدين برمته.
وبخصوص كفيل الكفيل فلا يلتزم
إزاء الدائن إلا عند إعسار المدين الأصلي والكفلاء جميعا أو إذا كان الكفيل قد
تحلل من الكفالة نتيجة تمسكه بدفوع شخصية محضة خاصة به (ف 1138 ق.ل.ع).
المراجع
- الشهاوي قدري عبد الفتاح. أحكام عقد الكفالة التضامن في
التشريع المصري والمقارن.
- عقد الكفالة دراسة مقارنة. سعد أحمد محمود.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق