يعد الإثبات العمود الفقري
لقواعد قانون المسطرة الجنائية، وقد عرف تطورا تاريخيا في حياة البشرية وفي مختلف
المجتمعات وقوانينها. إذ شهدت مسيرة الإنسان كفاحه ضد الظلم والتعسف، فبعد أن
أهدرت كرامة الإنسان وانتهكت حرياته وبعد ما خضع له من أصناف التعذيب بمختلف
ألوانه من أجل إثبات براءته مما هو منسوب من أفعال إجرامية، وصل الأمر إلى أن تم
القضاء على كل المفاهيم المختلفة في كيفية تطبيق العدالة وفتح بابا واسعا بإرساء
دعائم القواعد الأصولية التي تصون حريات الأفراد وحقوقهم كما تحقق حماية المجتمع.
وعليه فإن الدور الذي تلعبه
قواعد الإثبات لا يستمد أميته فقط من تحقيقه لمقتضيات المصلحة العامة في إدانة
المذنب وإنما قبل ذلك تحقيق مصلحة الفرد لا تقل عن مصلحة المجتمع أهمية، وكذالك في
مصلحتنا عدم إدانة بريء، فكلنا يستطيع أن يمنع نفسه من ارتكاب جريمة، لكم لا أحد
منا يضمن تجنب مخاطر الاتهام، لهذا فإن أهمية الإثبات تجسد الوسيلة الأساسية التي
تؤدي إلى تبديد الغموض الذي يلف الواقعة الجرمية، وتسمح بالتالي بتوقيع العقاب على
من يستحق وفقط، مما كان من ضرورة أن تحاط مسطرته بأقصى ما يمكن من الضمانات ابتداء
من مرحلة البحث إلى غاية مرحلة المحاكمة. ولا شك أن للإثبات أيضا أهمية قانونية من
خلال منطوق الحكم للأدلة الدامغة التي استند عليها قاضي الحكم في حكمه، ولهذا قيل
بأن الإثبات مرتبط على الدوام بكل جهد قضائي يبدل في سبيل إظهار الحقيقة الواقعية،
هذا الجهد الذي كان وسيظل محتفظا بأهميته القصوى وبدوره الحاسم في مصير الدعوى
الجنائية بحكم أن القاضي الجنائي يحاكم قبل كل شيء إنسانا لا مجرد وقائع إجرامية،
لذا يستلزم منه أن يتعرف على مختلف الملابسات التي أحاطت بالقضية المعروضة عليه
لمعرفة الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية للظنين.
وتزداد أهمية الإثبات بتطوره
العلمي الحديث حيث بدأ يعتمد على أسلوب حضاري يهدف التعرف على الحقيقة بالاستعانة
بالعلوم الطبيعية والفيزيائية والكيميائية والرياضية.
وبهذا فإن وسائل الإثبات
الجنائي تتعدد كما تتعدد تقسيماتها إذ نجد منها ما هو منظم بشكل مفصل بينما البعض
الآخر لم يظهر إلا مؤخرا أو ظهر منذ سنوات خلت ولكن لم يتم تنظيمه وأحيانا ينظر
إليها من زوايا وسائل تقليدية وأخرى حديثة.
ومن تم فإن وسائل الإثبات
التقليدية تتمثل في الشهادة والاعتراف والخبرة والقرائن أما وسائل الإثبات الحديثة
في الإثبات الجنائي فهي متعددة ومتطورة مثل: جهاز كشف الكذب، البصمات، التنويم
المغناطيسي، التسجيل الصوتي والبصمة الوراثية وهذه الأخيرة هي التي ستكون محل نقاش
وتحليل.
المبحث الأول: الجانب النظري للبصمة الوراثية.
يتمثل الجانب العلمي للبصمة
الوراثية في انتشارها بين أجهزة القضاء ومأموري الضبط القضائي على اعتبارها دليل علمي كلي، كما يدور الجانب العلمي للبصمة
الوراثية في حقلها البيولوجي وشروطها العلمية والقائمين عليها وضوابطها الشرعية
حتى يتسنى للقضاء العمل بها كدليل مادي مقبول.
لهذا سوف نتطرق إلى ماهية
البصمة الوراثية (المطلب الأول) وتقسيم عمل البصمة الوراثية إجراء وقضاء (المطلب
الثاني).
المطلب الأول: ماهية البصمة الوراثية:
تعتبر البصمة الوراثية من بين
وسائل الإثبات الحديثة التي تستعمل على نطاق واسع في إثبات الجرائم. وللإحاطة بذلك
نعمل على تعريف البصمة الوراثية ومكوناتها (فقرة أولى)، وشروط العمل بالبصمة
الوراثية ومميزاتها (فقرة ثانية).
الفقرة الأولى: تعريف البصمة الوراثية ومكوناتها:
أولا: تعريف البصمة الوراثية:
لم تعرف البصمة الوراثية حتى
عام 1984 حينما نشر "إليك جيفري" عالم الوراثة بجامعة "ليستر"
بلندن، بحثا أوضح فيه أن هذه المادة الوراثية قد تتكرر عدة مرات وتعيد نفسها في
تشابهات عشوائية غير مفهومة، وواصل أبحاثه حتى توصل بعد عام واحد إلى أن هذه
التشابهات مميزة لكل فرد، ولا يمكن أن تتشابه بين الأفراد إلا في حالة التوائم
المماثلة فقط، بل إن احتمال تشابه بصمتين وراثيتين بين شخص وآخر يكاد يكون مستحيلا،
وسجل "إليك" براءة اكتشافه عام 1985 وأطلق على هذه التشابهات اسم البصمة
الوراثية –ADN-.
فلقد اجتهد العلماء المعاصرون
في وضع تعريف مناسب للبصمة الوراثية باعتبارها من المصطلحات العلمية الحديثة، وقد
اختلفوا في هذه التعريفات. فقد عرفتها "ندوة الوراثة والهندسة الوراثية
والجينوم البشري للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية": "البصمة الوراثية
وهي البنية الجينية نسبة إلى الجينات المورثات التي تدل على هوية كل فرد بعينه وهي
وسيلة لا تكاد تخطئ في تحقق الوالدية البيولوجية والتحقق من الشخصية".
وعرفها الدكتور "عبد الله
عبد الغني غانم" بأنها: "صورة لتركيب المادة الحاملة للعوامل الوراثية
أي هي صورة الحمض النووي الذي يحتوي على الصفات الوراثية للإنسان أو بمعنى أدق هي
صورة تتابع النيوكليوتيدات التي تكون جزئي الحامض النووي الوراثي".
في حين أن التعريف العلمي
للبصمة الوراثية هو من بين التعاريف التي تلقى قبولا من طرف العلماء، وهو أن
البصمة الوراثية هي التركيب الوراثي الناتج عن فحص الحمض النووي لعدد واحد أو أكثر
من أنظمة الدلالات الوراثية.
وبالتالي فإن مادة ADN (بصمة الحمض النووي) هي
واحد في كل خلية وسائل ونسيج في جسم الفرد ولا يمكن تغييره بواسطة أي علاج معروف
وعليه فإن هذه المادة أصبحت رائدة في الاستعراف والتمييز بين أبناء الجنس البشري.
ثانيا: مكونات البصمة الوراثية (التركيب البنائي ل: ADN):
يتركب جزئي الحمض النووي ADN من وحدات متكررة بترتيب
معين عل شكل سلسلة طويلة جدا تسمى نيوكليوتيدات. وتتكون كل واحدة من هذه
النيوكليوتيدات من سكر الرايبوزي الخماسي منقوص الأكسيجين وحامض الفسفوريك، وأربعة
قواعد نيتروجينية هي: (أدنين، جوانين، سيتوسين، ثايمين) ويرمز لها وفق الرموز
التالية:(A.T.C.G)، ويتصل الأدنين دوما بالثايمين (A-T)، ويتصل الجوانين دوما
بالسيتوسين (G-C) لتكوين القواعد النيتروجينية الأساسية التي ترتبط مع بعضها عن
طريق روابط هيدروجينية. ولكي تكون السلسلة عديدة النيوكليوتيد تتصل كل واحدة من
هذه القواعد بالسكر الخماسي المنقوص الأكسيجين، ويتصل هذا السكر بالمركب الفسفوري.
ويوجد الحمض النووي على هيئة
سلاسل حلزونية ملتفة حول نفسها. وتسلسل القواعد النيترويجنية على جزيء هذا الحمض
النووي هو الذي يكون درجات هذه السلاسل وكل درجة تتكون من قاعدتين لديهما قابلية
قوية للارتباط معا بواسطة روابط هيدروجينية وتسمى زوجا قاعديا.
ويحدث ذلك بالتفاف سلسلتين من
السلاسل متعددة النيوكليوتيد حول بعضها على صورة حلزون مزدوج لتكون جزيء الحمض
النووي، بحيث أن القواعد النيتروجينية تكون داخل الحلزون وأن الأدنين (A) في إحدى السلسلتين يكون
مقابلا للثايمين (T) لتكوين رابطتين هدروجينيتين بينهما (A-T)، والجوانين مقابلا
للسيتوسين لتكوين ثلاث روابط هيدروجينية بينها في السلسلة الأخرى. وقد وضع العالم
والسون وكريك هذا النموذج لجزيء ADN عام 1953م.
الفقرة الثانية: شروط العمل بالبصمة الوراثية ومميزاتها:
بما أن البصمة الوراثية تعتبر
حديثة عهد ليس ببعيد، وبما أن البصمة الوراثية تتصف بخاصية الدقة والتعقيد فكان
لابد للفقهاء من أ،ن يقوموا بوضع شروط عامة لذلك من الناحيتين العلمية
"الطبية" والشرعية (أولا)، كما أن البصمة الوراثية تتميز بخصائص تميزها
عن باقي وسائل الإثبات الحديثة (ثانيا).
أولا: شروط العمل بالبصمة الوراثية:
نظرا لقوة العلاقة التي تربط
بين أهل الطب وأهل الشرع على اعتبار أن أهل الطب هم الضلع المساعد لأهل الشرع في
كشف خبايا لا دراية لأهل الشرع بها، حتى يتسنى لأهل الشرع إصدار أحكامهم الشرعية
بناء على أقوال أهل الطب. وحول هذا فإننا سنقسم شروط العمل بالبصمة الوراثية إلى
شروط تخص الجانب الشرعي وأخرى تخص الجانب العلمي.
أ) شروط البصمة الوراثية من الناحية الشرعية:
1.
ألا تخالف نتائج البصمة
الوراثية صدق النصوص الشرعية الثابتة من الكتاب والسنة حتى لا يؤدي ذلك إلى إهمال
النصوص الشرعية مقطوع بصحتها وجلب المفاسد.
2..
يجب ألا تخالف تحاليل
البصمة الوراثية العقل والمنطق والواقع.
3.
أن تكون أوامر التحاليل
البيولوجية للبصمة الوراثية بناء على أوامر من القضاء أو من له السلطة حتى يقفل
باب التلاعب وإتباع الأهواء.
4.
أن تستعمل التحاليل
الفنية للبصمة الوراثية في الحالات التي يجوز التأكد من إثبات النسب لعدم ضياعه
وغيرها من الحالات الضرورية.
5.
منع القطاع الخاص
والشركات التجارية من المتاجرة فيها، وفرض عقوبات لكل من تسول له نفسه التلاعب
بالجينات البشرية.
ب) شروط البصمة الوراثية من الناحية العلمية:
1.
أن تكون المختبرات
والمعامل الفنية تابعة للدولة وتحت رقابتها.
2. أن تكون هذه المختبرات
والمعامل مزودة بأحسن الأجهزة ذات التقنيات العالمية والمواصفات القابلة
للاستمرارية والتفاعل مع العينات.
3.
أن يكون العاملون في
هذه المختبرات من خبراء وتقنيين ممن يتصفون ويتسمون بصفات الأمانة والخلق الحسن
والعدل في العمل.
4.
أن يكون العاملون على
البصمة الوراثية من أصحاب الخبرة العالية والمستوى الرفيع وممن يشهد لهم بالتقدم
العلمي والتقني.
5.
ينبغي أن لا يقبل قول
الخبير في البصمة الوراثية إذا كان ذلك يجر لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا.
ثانيا: مميزات البصمة الوراثية:
إن البصمة الوراثية باعتبارها
من أهم وأنجع الوسائل الحديثة في الإثبات الجنائي، فإن ذلك يجعلها تتميز بخصائص
تميزها عن باقي وسائل الإثبات الحديثة الأخرى. ومن أهم هذه المميزات نذكر:
1.
أنها قرينة نفي وإثبات
بخلاف فصائل الدم فهي وسيلة نفي فقط.
2.
امتياز الحمض النووي
بقوة ثبات كبيرة جدا في أقصى الظروف البيئية المختلفة (حرارة، رطوبة، جفاف)، حيث
ثبت أن الحمض النووي يقاوم عوامل التحلل والتعفن لفترة طويلة جدا.
3.
تظهر آثار البصمة
الوراثية بواسطة خطوط يسهل قراءتها وتخزينها في الحاسب الآلي.
4.
يمكن بواسطة تقنية ADNإثبات وقوع الجريمة في
حالات اختفاء جسم الجريمة (الجثة)، ووجود آثار منها كالدماء أو العظام إذ يمكن
إرجاع هذه الآثار إلى المجني عله والتأكد من وقوع الجريمة بشرط وجود أشخاص قاموا
بالإبلاغ عن مفقودين حتى يتمكن الرجوع إليهم وعمل المقارنة.
5.
بصمة الحمض النووي هي
أصل كل العلامات الوراثية، ومتى حصل أي خلل في الحمض النووي فإنه يظهر على صورة مرض.
المراجع:
- الكعبي خليفة علي، البصمة الوراثية وأثارها على الأحكام الفقهية.
- المعايضة منصور عمر، الأدلة الجنائية والتحقيق الجنائي لرجال القضاء.
- محمد العروصي، المختصر في التحقيق الإعدادي و وسائل الإثبات.
- أحمد أحمد أبو قاسم، دليل المادي وأثره في الإثبات الجنائي.
- البحث حول، وسائل الإثبات في الميدان الزجري.
المراجع:
- الكعبي خليفة علي، البصمة الوراثية وأثارها على الأحكام الفقهية.
- المعايضة منصور عمر، الأدلة الجنائية والتحقيق الجنائي لرجال القضاء.
- محمد العروصي، المختصر في التحقيق الإعدادي و وسائل الإثبات.
- أحمد أحمد أبو قاسم، دليل المادي وأثره في الإثبات الجنائي.
- البحث حول، وسائل الإثبات في الميدان الزجري.
merciiiiiiiiiiii mon ferer
ردحذف